آثر جمهور الصوفية الاختيار الثاني، لكن الربانيين المحققين من علماء الأمة آثروا الاختيار الأول، وهو الذي مضى عليه الأنبياء أمثال يوسف وداود وسليمان، وكبار الصحابة مثل عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد وغيرهم.
ورد العلامة أبو الفرج الجوزي (المتوفى سنة 597 هـ) على الصوفية الذين ذموا المال بإطلاق، واعتبروه شرا وآفة، وأنكروا على من ملكه واكتسب الغنى ولو من حلال. واستدل ابن الجوزي في كتابه النقدي الرائع"تلبيس إبليس"بالكتاب والسنة وهدي الصحابة، وقواعد الشريعة.
ومن ذلك بحثهم: أيهما أولى وأفضل عند الله: ترك المناهي والمحرمات أم فعل الأوامر والطاعات؟
قال بعضهم: ترك المناهي أهم وأشد خطرا من فعل الأوامر، واستدلوا بالحديث الصحيح المتفق عليه، الذي ذكره النووي في أربعينه، وشرحه ابن رجب في جامعه، وهو:"إذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم".. قالوا: هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر، لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، والأمر قيد بحسب الاستطاعة، وروى هذا عن الإمام أحمد.
ويشبه هذا قول بعضهم: أعمال البر يعملها البر والفاجر، وأما المعاصي، فلا يتركها إلا صديق.