ومن العلماء الذين عنوا بفقه الأولويات، ونقدوا المجتمع المسلم بالتفريط فيه: الإمام الغزالي. وهذا ظاهر في موسوعته"إحياء علوم القرآن"يجدها قارئه في"أرباعه"الأربعة، وفي كتبه الأربعين، ولكنه يجدها أوضح ما تكون في كتابه"ذم الغرور"وهو العاشر من ربع"المهلكات".
وفيه ذكر أصنافا من الذين أوبقهم الغرور، وهم لا يشعرون.
فذكر من هؤلاء أرباب العلم، وأرباب العبادة والعمل، وأرباب التصوف، وأرباب الأموال، وآخرين من العوام، وذكر فرق المغترين من كل صنف، وكيف خدعتهم أنفسهم، أو زينت لهم شياطينهم سوء أعمالهم، فرأوها حسنة، وقد أبدع في الوصف والتصوير هنا أيما إبداع. كما أشار إلى العلاج الواجب الاتباع.
واكتفى هنا بذكر نموذجين من نماذج نقده القوي العميق البصير، لنرى منه مقدار فقهه في دين الله، وفهمه لدنيا الناس، وحرصه على إصلاحهم في ظواهرهم وبواطنهم، وعنايته ـ رضي الله عنه ـ بفقه الأولويات.
النموذج الأول: من فرق المغترين من المتدينين من أهل العبادة والعمل يقول فيه:
"فمنهم فرقة أهملوا الفرائض، واشتغلوا بالفضائل والنوافل، وربما تعمقوا في الفضائل حتى خرجوا إلى العدوان والسرف، كالذي تغلب عليه"