ومن فقه الأولويات في ترجيح العمل: أن يكون أكثر نفعا من غيره. وعلى قدر نفعه للآخرين يكون فضله وأجره عند الله. ولهذا كان جنس أعمال الجهاد أفضل من جنس أعمال الحج، لأن نفع الحج لصاحبه، ونفع الجهاد للأمة، وفي هذا جاء قول الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة: 19 - 20] .
وكان الجهاد في سبيل الله أفضل عند الله وأعظم أجرا من الانقطاع للعبادة، مرات ومرات.
قال أبو هريرة: مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة (عين صغيرة) من ماء عذبة، فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب؟! (أي للعبادة) ولن أفعل حتى استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِيْ بَيْتِهِ سَبْعِيْنَ عَامًا، أَلَا تُحِبُّوْنَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ، وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ؟، اُغْزُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، مَنْ قَاتَلَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (1) .
وفواق الناقة: ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلب ووضعها.
(1) رواه الترمذي وحسّنه [1605] ، والحاكم وصحّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (2/ 68) .