من جال في تراث هذه الأمة الرحب، وجد لعلمائها اهتماما بفقه الأولويات والتنبيه على الاختلال فيه، في صور شتى متناثرة في المصادر المختلفة، تذكر في مناسباتها.
ولعل من أوائل ما نرى فيه هذا الاهتمام، ما صح عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، فيما رواه عنه ابن أبي نعيم، قال: جاء رجل إلى ابن عمر وأنا جالس، فسأله عن دم البعوض! وفي رواية:"فسأله عن المحرم يقتل الذباب"! فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ها، انظروا إلى هذا! يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم!! وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"هما ـ يعني الحسن والحسين ـ ريحانتي من الدنيا". وفي الرواية الأخرى:"أهل العراق يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله .."الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في فتح الباري:"أورد ابن عمر هذا متعجبا من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير، وتفريطهم في الشيء الجليل"، وقال ابن بطال:"يؤخذ من الحديث أنه يجب تقديم ما هو أوكد على المرء من أمر دينه، لإنكار ابن عمر على من يسأله عن دم البعوض، مع تركه الاستغفار من الكبيرة التي ارتكبها بالإعانة على قتل"