الحسين، فوبخه بذلك. وإنما خصه بالذكر، لعظم قدر الحسين، ومكانه من النبي صلى الله عليه وسلم"."
فليس المقصود الإنكار على شخص السائل بعينه، إنما المقصود الإنكار على اتجاه سائد لدى فئة من الناس، يدققون في الأمور الصغيرة، ويشغلون أنفسهم والناس معهم بالتوافه، على حين يضيعون الأمور الكبار!!
وما حدث لابن عمر حدث لابنه سالم، مع أهل العراق أيضا، فيبدو أنهم سألوه عن بعض صغائر الأمور، في حين أنهم سقطوا في عظائم الأمور، من الاقتتال وسفك بعضهم دماء بعض، مع التحذير الشديد من ذلك في الحديث المتفق عليه:"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"!
فقد روى مسلم في كتاب الفتن عن سالم بن عبدالله أنه قال: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبدالله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الفتنة تجئ من ههنا ـ وأومأ بيده نحو المشرق ـ من حيث يطلع قرنا للشيطان"! وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل خطأ، فقال الله عز وجل له: (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) .
ومما يذكر في فقه الأولويات في تراثنا: هذه الرسالة النابضة التي رواها الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبدالله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملي علي عبدالله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية: سنة سبع سبعين ومائة:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب