ومن هذا الباب: أولوية الاجتهاد والتجديد على التكرار والتقليد. وهذا مرتبط بفقه المقاصد الذي أشرنا إليه، وبقضية الفهم والحفظ أيضا.
فالعلم عند السلف من علماء الأمة ليس هو مجرد معرفة الأحكام، وإن كان عن طريق تقليد الغير، وتبني قوله ولو لم تكن له حجة مقنعة، فهو يعرف الحق بالرجال، ويتبع الأشخاص لا الأدلة.
العلم عندهم هو: العلم الاستقلالي، الذي يبتع فيه الحجة، ولا يبالي أوافق زيد أو عمر من الناس، فهو يسير مع الدليل حيثما سار، ويدور مع الحق الذي يقتنع به حيثما دار.
استدل ابن القيم على منع التقليد بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) ، قال: والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم، وذكر في"إعلام الموقعين"أكثر من ثمانين وجها في إبطال التقليد، والرد على شبهات أنصاره.
وإذا كان الجمود على ظواهر النصوص مذموما، كما هو شأن الظاهرية القدامى والجدد، فأدخل منه في الذم: الجمود على ما قاله السابقون، دون مراعاة لتغير زماننا عن زمانهم، وحاجاتنا عن حاجاتهم، ومعارفنا عن معارفهم. وأحسب لو تأخر بهم الزمن حتى رأوا ما رأينا، وعاشوا ما عشنا ـ وهم أهل الاجتهاد والنظر ـ لغيروا كثيرا من فتاواهم واجتهاداتهم. كيف