حق الجماعة أو الأمة، إذ أن الله تعالى لا تعود عليه مصلحة من وراء هذه الأحكام، فإنما هي أولا وأخيرا لمصلحة عباده.
وتطبيقا لهذه القاعدة: تقديم حق الأمة على حق الفرد، أجاز الإمام الغزالي وغيره رمي المسلمين إذا تترس العدو بهم (أي احتمى بهم وجعلهم ترسا له في مقدمة جيشه) بشروط معينة، مع أن من المقرر الذي لا نزاع فيه: أن حقن دماء المسلمين واجب، وأنه لا يجوز سفك دم من مسلم بغير حق. فكيف استجاز مثل الغزالي رمي هؤلاء المسلمين البرآء في جيش العدو الكافر؟
إنما استجاز ذلك وكل من وافقه، صيانة للجماعة، وحفظا للأمة من الهلاك، فإن الفرد يمكن أن يعوض. أما الأمة فلا عوض عنها.
يقول الفقهاء: لو أن الأعداء تترسوا ببعض المسلمين، كأن كانوا أسرى عندهم أو نحو ذلك، وجعلوهم في مواجهة الجيش المسلم، ليتقوا به، وكان في ترك هؤلاء الغزاة خطر على الأمة الإسلامية جاز قتالهم، وإن قتلوا المسلمين الذين معهم، مع أنهم معصومو الدم لا ذنب لهم، ولكن ضرورة الدفاع عن الأمة كلها اقتضت التضحية بهؤلاء الأفراد خشية استئصال الإسلام واستعلاء الكفر، وأجر هؤلاء الأفراد على الله.
ولهذا، رد الإمام الغزالي اعتراض من يقول في هذه الصورة: هذا سفك دم معصوم محرم، بأنه معارض، لأن في الكف عنه إحلال دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد، فهذا مقطوع به من مقصود الشرع.