وإن من التشويه للإسلام تبديل هذه النسب بحيث تزاد عن حدها أو تنقص بالنسبة إلى غيرها، كما حدث فعلا في بعض العصور الأخيرة، فإن تغيير النسب في نظام الحياة كتغير النسب في التصوير الهزلي، الذي يعطي من الإنسان المعالم والمشابه، ولكن على وجه هزلي ساخر، وكتغيير النسب في أجزاء الدواء، فقد يؤدي إلى إفساده، وتغيير صفاته وخصائصه، وربما انقلب إلى مادة ضارة أو سامة.
فلو جعلنا الحياة مئة جزء لوجدنا أن الإسلام خص العبادة منها بأجزاء، وكذلك الإنفاق والكسب، والجهاد، والتمتع باللذات المشروعة لكل منها نصيب محدود. ولو غيرنا هذه النسب فقللنا قيمة الجهاد، وزدنا في نصيب العبادة، وانتقصنا من حظ المال كسبا أو إنفاقا، وغالينا في الملذات أو ألغيناها، لخرجنا من ذلك بنظام يخالف في حقيقته وفي روحه نظام الإسلام، وأخللنا بالتوازن الذي أقامه بين قيم الحياة وجوانبها.
فالمسلم الكامل في بعض العصور الأخيرة هو المنصرف إلى العبادة بمعناها الضيق لا يشتغل بسواها، المعتكف في محرابه لا يبارحه، الملتزم لأذكاره وأوراده. إن هذه الصورة لا تشبه مطلقا الصورة التي كان عليها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه المقتدون به، فلئن كانت العبادة جزءا أساسيا في حياتهم، فإن الجهاد كان مالئا لصفحاتهما، الجهاد في سبيل تحرير المجتمع من العقائد الفاسدة، وترسيخ العقائد الصحيحة، وتحريره من ظلم الظالمين، واستبداد المستبدين، لحماية المستضعفين، وإقامة العدل بين الناس. وكذلك تكون حياة المسلم المنشغل بالجهاد والإصلاح الاجتماعي ناقصة مشوهة بالقياس إلى الصورة الإسلامية الكاملة إذا كانت خالية من العبادة ضعيفة الصلة بالله.
وقد انتبه فقهاؤنا المتقدمون إلى هذه الفكرة فكرة النسب، فجعلوا ما يطلب من المسلم من الفرائض وغيرها متفاوتة في قوة طلبها، كما جعلوا الممنوعات