وفيه دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد:"أن من وقى به المرء عرضه، فهو صدقة".
القسم الثاني: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده، فأما من أتى شيئا مما يظنه الناس شبهة، لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر، فلا حرج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك، كان تركها حينئذ استبراءا لعرضه، فيكون حسنا، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه واقفا مع صفية:"إنها صفية بنت حيي". وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناس قد صلوا ورجعوا، فاستحيا، ودخل موضعا لا يراه الناس فيه، وقال:"من لا يستحي من الناس، لا يستحي من الله".
وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال، إما باجتهاد سائغ، أو تقليد سائغ، وكان مخطئا في اعتقاده، فحكمه حكم الذي قبله، فإن كان الاجتهاد ضعيفا، أو التقليد غير سائغ، وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى، فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه.
والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في الحرام، وهذا يفسر بمعنيين:
أحدهما: أنه يكون ارتكابه للشبهة ـ مع اعتقاده أنها شبهة ـ ذريعة إلى ارتكابه الحرام ـ الذي يعتقد أنه حرام ـ بالتدريج والتسامح.
وفي رواية في"الصحيحين"لهذا الحديث:"ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان".
والمعنى الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده، لا يدري: أهو