عليهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، ويرجعون محرومين مسلوبين. يهوى بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار، وجاره مأسور على جنبه لا يواسيه!
وكأن ابن مسعود رضي الله عنه ينظر إلى زماننا هذا من وراء الغيب، ويصف ما فيه. وقال أبو نصر التمار: إن رجلا جاء يودع بشر بن الحارث وقال: قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء؟ فقال له: كم أعددت للنفقة؟
فقال: ألفي درهم.
قال بشر: فأي شيء تبتغي بحجك؟ تزهدا أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله؟ قال: ابتغاء مرضاة الله.
قال: فإن أصبت مرضاة الله تعالى، وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم، وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك؟
قال: نعم.
قال: اذهب فأعطها عشرة أنفس: مديون يقضى دينه، وفقير يرم شعثه، ومعيل يغني عياله، ومربي يتيم يفرحه، وإن قوي قلبك تعطيها واحدا فافعل، فإن إدخالك السرور على قلب المسلم، وإغاثة اللهفان، وكشف الضر، وإعانة الضعيف، أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام! قم فأخرجها كما أمرناك، وإلا فقل لنا ما في قلبك؟
فقال: يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي.
فتبسم بشر رحمه الله، وأقبل عليه، وقال له: المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات، اقتضت النفس أن تقضي به وطرا، فأظهرت الأعمال الصالحات، وقد آلى الله على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين!
(ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم) .