يذكر كثيرون الحديث النبوي: «تَنَاكَحُوْا تَنَاسَلُوْا تَكْثُرُوْا فَإِنِّيْ مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» (1) ، ولكن الرسول لن يباهي الأمم بالجهلة ولا بالفسقة ولا بالظالمين، إنما يباهي بالطيبين العاملين النافعين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: «اَلنَّاسُ كَإِبِلِ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيْهَا رَاحِلَةً» (2) . دلالة على ندرة النوع الجيد من الناس، كندرة الراحلة الصالحة للسفر والركوب والحمل في الإبل، حتى إن المائة لا يكاد يوجد فيها واحدة من هذا النوع.
والتفاوت في بني الإنسان أكثر منه في جميع الفصائل والأنواع الأخرى من الحيوان وغيره. حتى جاء في الحديث: «لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِنْ أَلْفٍ مِثْلِهِ إِلَّا الْإِنْسَانُ» (3) .
إننا مولعون بالكم وبالكثرة في كل شيء، وإبراز الأرقام بالألوف والملايين، ولا يعنينا كثيرا ما وراء هذه الكثرة، ولا ماذا تحمل هذه الأرقام.
لقد أدرك الشاعر العربي الجاهلي أهمية النوع على الكم فقال:
تعيرنا أن قليل عديدنا ÷ فقلت لها: إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل، وجارنا ÷ عزيز، وجار الأكثرين ذليل
والقرآن ذكر لنا كيف انتصر جنود طالوت، وهم قلة على جنود جالون وهم كثرة: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً
(1) رواه أبو داود والنسائي عن معقل بن يسار، كما في صحيح الجامع الصغير [2940] .
(2) متفق عليه عن ابن عمر. انظر: اللؤلؤ والمرجان [1651] .
(3) رواه الطبراني في الكبير والضياء عن سلمان، وحسّنه في صحيح الجامع الصغير [5394] .