ولا نعني بالتدرج هنا مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ، واتخاذ كلمة التدرج"تكأة"لتمويت فكرة المطالبة الشعبية الملحة بإقامة حكم الله، وتطبيق شرعه، بل نعني بها تعيين الهدف، ووضع الخطة، وتحديد المراحل، بوعي وصدق، بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم، حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة التي فيها قيام الإسلام، كل الإسلام.
وهو نفس المنهاج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية، كما بينا ذلك في الفصل السابق.
ومن المواقف التي لها مغزى ما رواه المؤرخون عن عمر بن عبد العزيز، الذي يعده علماء المسلمين"خامس الخلفاء الراشدين"وثاني العمرين، لأنه سار على نهج جده الفاروق عمر بن الخطاب: أن ابنه عبد الملك ـ وكان شابا تقيا متحمسا ـ قال له يوما: يا أبت، مالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!!
يريد الشاب التقي الغيور من أبيه ـ وقد ولاه الله إمارة المؤمنين ـ أن يقضي على المظالم وآثار الفساد والانحراف دفعة واحدة، دون تريث ولا أناة، وليكن بعد ذلك ما يكون!
ولكن الأب الراشد قال لابنه: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدعوه جملة، ويكون من ذا فتنة!
يريد الخليفة الراشد أن يعالج الأمور بحكمة وتدرج، مهتديا بسنة الله تعالى في تحريم الخمر، فهو يجرعهم الحق جرعة جرعة، ويمضي بهم إلى المنهج المنشود خطوة خطوة. هذا هو الفقه الصحيح.