فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 264

وروى الشيخان عن مسروق قال: سألت عائشة - رضي الله عنها: أي العمل كان أحب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: الدائم (1) .

وعن عائشة أيضا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها، وعندما امرأة، قال: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: فُلَانَةٌ تُذْكَرُ مِنْ صَلَاتِهَا (تعني أنها تكثر جدا من الصلاة) قَالَ: «مَهْ! عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيْقُوْنَ، فَوَاللهِ، لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوْا» (2) .

قالت عائشة: وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه.

و «مَهْ» كلمة زجر عن تكلف المشقة الشديدة في العبادة، وتحميل النفس فوق طاقتها. وذلك أنه بالمداومة على القليل، تستمر الطاعة وتكثر بركتها، بخلاف الكثير الشاق، وربما ينمو القليل الدائم حتى يزيد على الكثير المنقطع، أضعافا كثيرة. ولهذا استقر في فطر الناس في سائر الأمور: أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.

وهذا ما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يحذر من الغلوّ في الدين والتشدد فيه، خشية أن يأتي عليه يوم يمل فيه العمل، أو تضعف طاقته عنه، بحكم الضعف البشري، فينقطع في وسط الطريق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا تُطِيْقُوْنَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوْا» (3) .

وقال: «عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا (أي متوسطا) فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّيْنَ يَغْلِبُهُ» (4) .

وسبب هذا الحديث ـ كما رواه بريدة ـ قال: خرجت ذات يوم لحاجة،

(1) متفق عليه - اللؤلؤ والمرجان [429] .

(2) المصدر نفسه [449] .

(3) متفق عليه عن عائشة أيضا (صحيح الجامع الصغير [4085] ) .

(4) أحمد والحاكم والبيهقي عن بريدة - المصدر السابق [4086] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت