الفريد": أن رجلا يقال له: ابن سلكة، دخل على الحجاج يشكو إليه ظلمةً حلّت به على أيدي رجاله. فكان مما قاله للحجاج:"
عصى عاصٍ من عرض العشيرة، فحلق على اسمي (1) ، وهدم منزلي، وحرمت عطائي!
يعني الرجل أن هذا كله أصابه بذنبِ واحدٍ من العشيرة! كما يفعل الطغاة إلى يومنا هذا.
قال الحجاج: هيهات، أما سمعتَ قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد ÷ تعدي الصحاح مبارك الْجُرْبِ
ولربّ مأخوذ بذنب عشيرة ÷ ونجا المقارفُ صاحبُ الذنب
فقال الرجل: أصلح الله الأمير. إني سمعت الله - عزّ وجلّ - يقول غير هذا. قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى - أي على لسان إخوة يوسف: {قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} [يوسف: 78 - 79] . قال الحجاج: علي بيزيد بن أبي مسلم .. فمثل بين يديه، فقال: افكك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطائه، وابْنِ له منزله، ومُرْ مناديا ينادي: صدق الله، وكذب الشاعر!
فهذه القصة التي ترويها كتب الأدب تدل بوضوح على أن للشريعة الإسلامية سلطانها وهيبتها، حتى على طغاة الحكام. وهذه خصيصة فريدة تتميز بها الشريعة الربانية عن الأنظمة والقوانين الوضعية. كما تدلنا على أن أطغى الطغاة في العصور الأولى لم يكن ليجرؤ على رفض شريعة الله، أو تحدى نصوصها، ولو كان هو الحجاج بن يوسف.
حتى الطرائف والمُلَح الأدبية يجد الداعية الموفّق لها مكانها ووقتها، فينتفع بها، ليثبت بها معنى معيّنا، أو ليروّح بها عن سامعيه. كما قيل: إن القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.
(1) يعني أن اسمه وضع داخل حلقة أو دائرة من المداد، كما يفعل أمام المواد التي يرسب فيها التلميذ. وبتعبير العصر: وضع اسمه في القائمة السوداء.