ب- ويستطيع العلم بمكتشفاته ومقرراته أن يؤيد كثيرا من الأحكام الشرعية ببيان ما اشتملت عليه من جلب المصالح للناس، ودرء المفاسد عنهم، وبذلك يزداد الذين آمنوا إيمانا، ويضعف جانب المرتابين والمشككين في كمال الشريعة الإسلامية، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
يستطيع علم الطب أن يعطينا صورة واضحة لما تجنيه"أم الخبائث"الخمر على شاربيها ومدمنيها من أضرار جسيمة على الأفراد، وعلى الأسر، وعلى المجتمعات، ماديا ومعنويا، وبهذا تتبيّن حكمة الإسلام في تحريم الخمر، ولعن كل من شارك في صنعها أو الاتجار بها أو تقديمها من قريب أو بعيد.
ومثل ذلك المخدرات والتدخين وكل ما يعتاد الناس تناوله من مأكول أو مشروب أو مشموم أو غيره، يضرّ متناوله عاجلا أو آجلا، فضلا عن الأضرار الأخلاقية والنفسية والاجتماعية الأخرى.
وكذلك ما يسببه انتشار الزنا من أمراض تناسلية وغيرها للرجال والنساء، بالإضافة إلى آثاره السيئة على الأنساب والأخلاق والأسر والمجتمع كله، مما يؤكد معنى قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] .
وتستطيع علوم الأحياء، ووظائف الأعضاء والطب وغيرها، أن تبين لنا حقيقة الفوارق الفطرية بين الذكر والأنثى - وبعبارة أخرى بين الرجل والمرأة - وأن هذا التفاوت لم يكن عبثا، وأن تجاهله في التشريع والتربية والتعليم والتوجيه، لا يعقب إلا أسوأ النتائج، وأن من الخير لكلا الجنسين، وللجماعة كلها، أن يكون لكل منهما عمله اللائق به، وثقافته الملائمة لوظيفته في الحياة، وبهذا يتلاقى منطق العلم مع منطق الدين الذي هو منطق الفطرة السليمة.
وحسبي هنا أن أنقل الكلمات التالية عن رجل يعدّ من أقطاب العلم التجريبي في عصرنا وهو الدكتور"ألكسيس كاريل"في كتابه:"الإنسان ذلك المجهول"يقول:"إن ما بين الرجل والمرأة من فروق ليست ناشئة عن اختلاف الأعضاء الجنسية، وعن وجود الرحم والحمل، أو عن اختلاف طريقة التربية. وإنما تنشأ عن سبب جدّ عميق، وهو تأثر العضوية بكاملها بالمواد الكيماوية ومفرزات الغدد التناسلية. وإن جهل هذه الوقائع الأساسية هو الذي جعل رواد الحركة النسائية يأخذون بالرأي القائل بأن كلا الجنسين الذكور والإناث يمكن أن يتلقوا ثقافة واحدة، وأن يمارسوا أعمالا متماثلة. والحقيقة أن المرأة مختلفة اختلافا عميقا عن الرجل، فكل حجيرة في جسمها"