فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 123

وإذا قال تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 3] أو {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] يستطيع العلم هنا كذلك أن يبيّن لنا سعة آفاق الهداية الإلهية المبثوثة في الكون، علويه وسفليه، إنسانه وحيوانه، ونباته وجماده، كل شيء فيه هدى لغايته، ويسر لما خلق له، ومنح ما يساعده على ذلك من سنن الله وقوانين الكون. نجد ذلك في أضخم ما في الكون، إلى أصغر ما فيه، من المجرة إلى الذرة.

د- ومجال رابع يدخل فيه العلم ويصول ويجول، وهو بيان سبق القرآن من الحقائق التي كشف عنه العلم الحديث، وهو ما أشرنا إليه ونحن نتحدث عن"الإعجاز العلمي للقرآن".

وقد عنى كثيرون في عصرنا بهذا الميدان، إلى حد الإفراط والتجاوز في بعض الأحيان، وجلّ هؤلاء من رجال العلم المتحمّسين للدين، كما رفضه آخرون بالكلية، واستخدمه آخرون بتحفظ واعتدال، وهذا ما أراه، وأعني بالاعتدال: ألا نتعسف في التأويل، ولا نخرج الألفاظ والتراكيب عن مدلولاتها اللغوية، ولا تحمل النصوص على فروض ونظريات لم تصبح حقائق علمية.

وممن استخدموا العلم في هذا الجانب العلامة الشيخ رشيد - رحمه الله - في تفسير"المنار"، وفي بعض كتبه، كـ"الوحي المحمدي"، حيث يتحدث فيه عن معجزات القرآن الفلكية، والطبيعية، ونحوها، فيقول:"وأما إخبار القرآن عن عالم الغيب المادي، من تكوين وتاريخ، فمن معجزاته الإيجابية أنه جاء فيه كثير من التعبيرات التي كشف العلم والتاريخ في القرون الأخيرة من معانيها ما لم يخكر في بال أحد من أهل العصر الذي نزل فيه، ومن معجزاته السلبية أنه لم يثبت على توالي القرون بعد نزوله شيء قطعي وينقض شيئا من أخباره"القطعية"على أن أخباره هذه إنما جاءت لأجل الموعظة والعبرة والتهذيب، ويكفي في مثل هذا أن تكون الأخبار على المألوف عن الناس، ولا ينتقد عليها إذا لم تشرح الحقائق الفنية والوقائع التاريخية، لأنها ليست مما يبعث الرسل لبيانه، ومنها ما لا يمكن الوقوف عليه إلا بالتعمق في العلم أو الاستعانة بالآلات التي لم تكن معروفة عند المخاطبين الأوّلين بالوحي، بل لا يصح أن يأتي فيها ما يجزمون بإنكاره بحسب حالتهم العلمية، لئلا يكون فتنة لهم، ولقد قال نبي الإنسانية العام: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُوْرِ دُنْيَاكُمْ» (رواه مسلم في صحيحه) ."

ومن دقائق تعبير القرآن في النوع الأول - التكوين - التي اختلفت في فهمها الناس .. أن مادة الخلق {دخان} وهو عين ما يسمى السديم، وأن السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت