هذه الروايات الكثيرة المتواردة على حرف واحد تعد السمة الأساسية في القراءات الشاذة، تميزها عن نهج القراءات الصحيحة، وهى ظاهرة جديرة بالدرس والتحليل، من جهة المقاييس الأصولية التى وضعها القراء لتمييز الصحيح من الشاذ، ومن جهة الملامح التفصيلية، المشتركة في مجموعاتها، والعوامل التى تكمن خلف هذا التعدد المسرف أيضا.
فأما المقاييس الأصولية فهى الشروط الموضوعة، الواجب توافرها في كل قراءة صحيحة وهى ثلاثة:
1 -أن تكون القراءة موافقة لأحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا.
2 -أن توافق العربية ولو بوجه.
3 -أن يصح سندها [1] .
ولا ريب أن الشاذ من القراءات قد فقد بعض هذه الشروط أو سائرها، ولذا كان لا بد من دراسة موقف نماذج الشذوذ السابقة في ضوئها. ولئن جاز لنا أن نسأل أنفسنا أمام قراءة معينة، متواترة أو مشهورة، عن موافقتها للرسم، أو للعربية، أو عن صحة سندها، فإن هذا السؤال يصبح واجبا وضروريا أمام عشرين أو ثلاثين قراءة في كلمة بعينها. ولقد حدد القدماء موقفهم من القراءات التى تفقد هذه الشروط، فقال ابن الجزرى: «ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة، أو باطلة، سواء كانت عن السبعة، أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف» . أما نحن فنحاول هنا أن نقدم دراسة تطبيقية لهذه المقاييس - أو الأركان كما سماها ابن الجزرى - على القراءات التى بين أيدينا، لندرك سر شذوذها، ثم نفرغ لدراسة الملامح التفصيلية، والسمات المشتركة في مجموعاتها، لعلنا نستخلص منها بعض الظواهر الكامنة وراء هذا التعدد.
(1) النشر 9/ 1، وقد سبق الحديث عن تطور هذه المقاييس في كتابنا (تاريخ القرآن) .