أشرنا من قبل في كتاب (تاريخ القرآن) إلى كثرة المشكلات الصوتية واللغوية التى تثيرها الروايات الشاذة، وإلى دلالتها على تعقد تاريخ اللغة الفصحى. وقد وجدنا أن من أهم المشكلات التى ينبغى أن تعالج علاجا علميا «الهمزة» ، ذلك الصوت الفريد بين أصوات اللغة العربية، بل بين أصوات الفصيلة السامية كلها، بل بين أصوات مجموعات كثيرة من اللغات المعروفة حتى الآن. فقد احتفت العربية بهذا الصوت، وبدا من معاملة القدماء له، رسما وإثباتا وحذفا، وإبدالا وقلبا، إحساسهم بأهميته الخاصة في بناء الكلمة العربية. وتباين أيضا موقف القبائل العربية منه، في نطقهم له، إثباتا وحذفا وتسهيلا، وانعكست هذه المواقف جميعا في الروايات الشاذة، فوجدنا حشدا كبيرا منها، ينحصر وجه شذوذه في إثبات الهمزة، أو في حذفها، أو في تسهيلها، أو في زيادتها في موضع غير مقيس على على الشائع في ألسنة الفصحاء، وهكذا.
وقد استطعنا خلال تجوالنا بين الروايات الكثيرة الواردة أن نختار نماذج - أو «عينات» إن صح التعبير - تجسم لنا كل حالة من أحوال الهمزة، دون أن نغفل حالة واحدة، وإن كنا لم نحصر جميع ما ورد من الروايات ممثلا لحالة واحدة.
هذه الأمثلة التى أوردناها، لا تثير مشكلة الشذوذ في معاملة الهمزة فحسب، وإنما تثير مشكلة الهمزة بأكملها في العربية، إثارة جذرية، ولذا كان واجبا علينا - بعد تحقيق الروايات وتوثيقها - أن نتعرف رأى القدماء في الهمزة، وبخاصة فيما أطلقوا عليه «قواعد الإبدال - الواجب والجائز والشاذ» ، وأن نتعرف كذلك رأى المحدثين، وفى مقدمتهم الأستاذ الدكتور هنرى فليش، أستاذ الدراسات السامية بجامعة القديس يوسف ببيروت، وأحد المهتمين القلائل بمسائل اللغة الفصحى من المستشرقين - نتعرف رأيه في حالات الهمزة، وقواعد