ثانيا: مقياس موافقة العربية وهو المقياس الثانى الذى نريد أن نعرض عليه مشكلة تعدد الوجوه في هذه القراءات المروية. ولا شك أننا بحاجة إلى تحديد بعض المفاهيم في مقدمة هذا البحث، ليكون تطبيق المقياس محدود الأبعاد، بريئا من الانحراف، ما أمكن ذلك. ما المراد بالعربية هنا؟ .. هل المراد لغة الفصحاء من قريش وتميم ومن ألحق بهم من القبائل التى اتسمت ألسنتها بالفصاحة؟ أو أن المراد هو العربية بمفهومها العام الذى يشمل جميع لهجاتها بالإضافة إلى اللغة الأدبية؟ إن الإجابة على هذا السؤال المزدوج تقتضينا أن نتعرف موقف القدماء من هذه القضية، فالواقع أن القبائل العربية لم تكن على درجة واحدة من الفصاحة. ولم تكن على درجة واحدة من السلامة، فقد سلمت بعض القبائل وحافظت على عربيتها لبعد مكانها عن الاختلاط والفساد، ولذلك لما جاء العلماء يروون اللغة تحروا وفضلوا بعضا عن بعض، كان ذلك إلى حين، ثم تطورت نظرتهم إلى اللهجات، واتسعت مقاييس الفصاحة لدى متأخريهم، ويمكن أن نتبين في هذه الحركة مرحلتين: المرحلة الأولى: وقد بدأت حين جاء عهد التدوين، فأخذ الرواة يفرقون بين قبيلة وأخرى، فينسبون الفصاحة إلى هذه، وينكرونها على تلك، فاستبعدوا أولا لغة حمير، لأنها تكاد تكون لغة وحدها، مخالفة للغة مضر، ولأنهم خالطوا الحبشة، وخالطوا اليهود، وخالطوا الفرس فتأشبت لغتهم، ولم يأخذوا عن قبائل التخوم، وهى التي