سبق أن ذكرنا خلال دراستنا لمشكلة الرسم أن العربية - شأنها شأن أخواتها الساميات - قد اعتمدت اعتمادا كبيرا على الحروف الصامتة، أكثر من اعتمادها على المصوتات أو الحركات، ومن ثم لم تصطنع لها رموزا. وكان من خصائصها أيضا - شأن المجموعة السامية - أن اعتمدت في تغيير معانى الكلمة المكونة من مجموعة الصوامت على تغيير حركات هذه الصوامت، فالأحرف الثلاثة - غالبا - الصامتة هى التى تكون هيكل الكلمة، وتشتمل على مدلولها، لكن هذا المدلول لا يبقى على حاله متى تغيرت الحركات [1] . فالفرق بين علم، alim ، وعالم، a?lim - ليس إلا في طول الحركة الأولى، حركة العين، ومع ذلك فإن هذا الطول قد غير معنى الكلمة من كونها فعلا تام الحدث، إلى كونها اسم فاعل يوصف به صاحب الحدث. والفرق بين علم، alim ، وعلم، alum ، ليس إلا فرقا في نوع الحركة الثانية، وقد أتاح هذا التغيير في نوع الحركة تغيرا في المعنى المراد من الفعل، إذ صرفه من التعبير عن مجرد وقوع الحدث إلى المبالغة في تحققه. والفرق بين علم، ulim وعلمّ، ullim ، فرق في الصامت الثانى من أصول الكلمة، برغم اتحاد المصوتات في الفعلين، وقد أفاد هذا الفرق معنى التكثير في الفعل الثانى.
هذه الحركة الداخلية في الأصل الاشتقاقى هى التى أتاحت للعربية، باعتبارها قمة التطور في المجموعة السامية - كثرة غزيرة في الصيغ، ومرونة في الانتقال من صيغة لأخرى [2] ، وقد أطلق على هذه الظاهرة: ظاهرة التحول الداخلى - Phe?nome?ne de la flexion interne [3] .
(1) تاريخ العرب، للدكتور جواد على 29/ 7 و 30.
(2) العربية الفصحى ص 72، 102، 107، 121 وغيرها.
(3) المرجع السابق.