وقد سبق أن ذكرنا أن (بين بين) إنما تدل في الواقع على مزدوج، وأن الناطق لم يرع تأكيد الانزلاق في هذه الحالة من النطق، ونسب هذا التخفيف إلى أهل الحجاز.
ويبدو لنا أن شذوذ هذه الروايات لا يأتى من ناحية اللغة أو خروجها عن قواعد النحاة، فهى مطابقة تماما للمأثور عن أهل الحجاز وتميم، وهذا يتأكد من مراجعة القواعد التى سبق إيرادها، وإنما يأتى الشذوذ من الرواية أو الراوى، وهو مالا نناقشه هنا، فالهمزة بين فتحتين مختلفتى الطول أو متفقتيه في مثل: لأعنتكم، وتساءلون، ومآرب، وتراءى، وإن الملأ، وبدأ، وكذلك الهمزتان المفتوحتان مثل «أأنذرتهم» - طريق التخفيف في ذلك كله (بين بين) ، أى النطق بحركتين متواليتين مع فاصل خاطف بينهما، هو الذى يتمثل في الانزلاق بين الحركتين عند اختلافهما.
والهمزة بين فتحة وضمة، مثل: «سواء، ولرءوف، ولا يوءوده» تخفف أيضا (بين بين) قياسا، وهى لغة الحجاز، على ما ذكره ابن خالويه.
والهمزة بين فتحة وكسر مثل: «كائن، والسائل» ، والهمزتان أيضا تكون أولاهما مفتوحة والثانية مكسورة - طريقة تخفيفها بين بين، غير أن لنا ملاحظة على المثال (آئمة) ، فإذا صحت ملاحظة سيبويه من أن الذين يضيفون ألفا بين الهمزتين إنما هم بنو تميم [1] ، كان تخفيف الهمزة إلى جانب المد جمعا بين ظاهرتين في لهجتين: ظاهرة اشتهرت بها لهجة الحجازيين، وهى التخفيف (بين بين) ، وأخرى اشتهرت بها لهجة تميم، وهى زيادة الألف بين الهمزتين.
على أن مقتضى حديث سيبويه، في موقف كل من الحجازيين والتميميين من التقاء الهمزتين في مثل (أئمة) أن التخفيف كان سنة تميم لهمزة واحدة منهما،
(1) الكتاب 168/ 2.