ولذا لما وصف أهل العلم رجال المشورة جعلوا من صفاتهم العلم فيما يُسْتشارون فيه. قال ابن خويز منداد: (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون, وفيما أشكل عليهم من أمور الدين. ووجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب. ووجوه الناس فيما يتعَلَّق بالمصالح, ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها) .
فجعل كلًا يُسْتشار فيما هو مختص به.
وكذا إبداء الرأي لا يسوغ لمن لم يكن مختصًا في فن أن يتكلم فيه ولذا ذكر الفقهاء أنه يشرع الحجر على المتطبب الجاهل, فكذلك غير الطب يمنع من لم يكن مؤهلًا من إبداء رأيه إذ لا يوثق برأيه.
فالعالم بالشرع يبين أحكام الشرع وضوابطه في كل أمر وتصرّف لكن ليس له أن يصف العلاج المركب للمرضى إلا إذا كان مع ذلك طبيبًا.
والمهندس له أن يتناول أمورًا هندسيَّة بالرأي لكن الفتوى إنما تناط بالعالم بالشرع فقط وهكذا.
وكذلك أمور السياسة فإن العلم الشرعي يكفي للحكم على تصرفات المكلفين فيما يتعلّق بالسياسة لكنه لا يكفي وحده لتناول القضايا السياسية إلا على أساس خبرته بها.
قال ابن خلدون - رحمه الله: (العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها والسببُ في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذّهن أمورًا كلية عامة ليحكم عليها بأمر على العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل.. ويطبقون بعد ذلك الكلي على الخارجيات.. وأيضًا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها.. فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنيّة والأنظار الفكريَّة لا يعرفون سواها.. والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها..) .
ثانيًا: ضوابط وسائل التعبير عن الرأي:
تقدّم أن هذه الوسائل اجتهاديّة - ليست توقيفيَّة - فللمسلم أن يسلك ما شاء من وسائل التعبير عن الرأي.