ولا داعي لأن ندعي وبكل سذاجة أن مجرد وصف هذا الاختلاف بالتنوع، أن الواقع سيتغير، وأن الأمور ستنقلب رأسًا على عقب، فيصبح الاختلاف ائتلافًا والافتراق اتفاقًا.
بل الاعتراف بالواقع، وبأن هذا التنوع هو في حقيقته اختلاف مبادئ وعقائد، وأن كل أصحاب معتقد يعدون مخالفيهم مخطئين، ويعدون أنفسهم أهل الحق = هذا الاعتراف هو أول طريق للحل الصحيح.
وهذا الاعتراف هو أول ناقض لذلك الحل الذي جاءت به الكاتبة؛ لأنه يناقض ذلك التصوير الخيالي لواقع الاختلاف الذي طرحته، وهو الدعوة إلى التنوع الديني.
وأنا أعلم أني بمجرد أن أطالب بالواقعية، سيحاول بعض أصحاب الأغراض الخفية، أن يصفوا هذا الطرح بأنه إقصائي، أو طائفي، وغير ذلك من التهم الجاهزة، لكل من يحاول إفساد مخططاتهم الخفية، القائمة على إقصائهم هم للآخرين، وعلى الطائفية التي ينتظرون معها ساعة تصفية الحسابات صباح مساء.
وبناء على ما سبق، يكون هناك اختلاف بين تلك التيارات: السلفية، والصوفية، والشيعية، وهذا الاختلاف لا يمكن أن يصبح بمجرد الدعوة إلى التعدّديّة ائتلافًا، بل سيبقى اختلافًا حتى مع حصول التعدّديّة.
وعليه.. فالحل للإشكال في هذا الواقع يجب أن ينطلق منطلقًا واضحًا، ليس مبنيًا على إلغاء الآخر، بل على تحديد معالم استيعاب المخالف واحتوائه، وعلى معرفة القدر الذي يكون فيه الاختلاف طبيعيًا، وحدود خروجه عن القدر الطبيعي إلى العدوان من أحد المختلفَين على الآخر.
أقول: ما هو القدر؟ حيث إن المطالبة بالتعدّديّة والدعوة إلى التسامح الديني والمذهبي لا يمكن أن يكون بلا حدود ولا ضوابط يقتضيها الشرع والعقل. وهذا مما يتفق عليه العقلاء، ولا تخالف فيه الأنظمة التي تعد نفسها دول الحرية والتسامح.