والمهم هو إدراك أهمية الأساليب الجدلية والتحليلية والنقدية التي تقوم عليها العلوم الإنسانية، ودورها الرئيس في صياغة النظريات التي تكوِّن بنية الفكر الغربي الحديث ونظامه.
ومن الملاحظ أن التنظير في العلوم الإنسانية الغربية الآخذة في التداخل بشكل ملحوظ ومتسارع أيضًا؛ قد اتسع بشكل يجعل متابعة النظريات المستجدة في المجال الواحد، ومعرفة تاريخها وعلاقاتها المركبة مع النظريات الأخرى القريبة؛ من الصعوبة بمكان، وهذا بلا شك يُثقل كاهل المفكر المسلم المهتم بالحوار الفكري؛ إذ لا بد من الإلمام بالحد الأدنى من هذه النظريات التي تشكل جزءًا مهمًا وأساسيًا من نظام الآخر المعرفي، وغالبًا ما يُعرف الكتاب الفكري الناجح والمؤثر في صفوف المثقفين والمتعلمين الغربيين بقوة طرحه النظري وكثافته، ومعرفة صاحبه العميقة بالنظريات المهمة في الموضوع المتناول. وليس المقصود بالتنظير هنا التجريد الذي لا روح فيه أو الإغراق في الغموض والتعقيد العقيم، وإنما التنظير المشتمل على التقعيد والتحليل والتفصيل للموضوع، والواعي بجوانبه التاريخية وارتباطاته الواقعية، والعلاقات المتشابكة بين النظريات وبين سياقاتها المتعددة، والعلاقات المقارنة بين النظريات نفسها.
ولعل عدم إدراك الكثيرين منا لأهمية التنظير أو البناء المعرفي في الحوار مع الآخر وتأثيره يرجع إلى ضعف التنظير في الفكر الإسلامي المعاصر بوجه عام، بالرغم من توفر الأصول الراسخة في العقيدة والتصور، هذا فضلًا عن ثراء الجانب المعرفي التاريخي للحضارة الإسلامية وتعدده، وهذا الضعف لا ينفك بطبيعة الحال عن مظاهر الضعف الأخرى التي تعاني منها الأمة في جوانب متعددة؛ أخلاقية وسياسية ومادية.
ومن أسباب الضعف التنظيري ومظاهره وجود اتجاهين رئيسين يمثلان فكرين وموقفين مختلفين من نظريات الآخر وفكره (وهذا لا يعني عدم وجود اتجاهات أخرى أقل انتشارًا) :