الاتجاه الأول: ينفي أصحاب الاتجاه الأول وجود أي مشكلة معرفية أو تنظيرية أصلًا، ويُرجعون الحل دائمًا إلى الأصول النظرية والتاريخية للفكر الإسلامي دون فهم أو استنباط لمعانيها ودلالاتها وتطبيقاتها في الواقع المحلي والعالمي؛ ذلك الواقع المتجدد بتعقيداته وتشابك أجزائه، ودون إدراك الحاجة إلى إعادة النظر وتأمل المعرفة البشرية باتساعها وشمولها والاستفادة منها، أو يقفون عند الجهود التنظرية والفكرية لعلماء عصور الإسلام الذهبية ونتاجهم الفكري، بالرغم من أن أولئك لم يقفوا عند جهود من سبقوهم بل فهموها وطوروها ونقدوها.
أما الاتجاه الآخر: فهو نقيض الأول؛ إذ يرى أصحابه أن حل هذه المشكلة يكمن في نسخ نظريات الغرب في العلوم الإنسانية أو بعضها، وتطبيقها كما هي في العلوم الإنسانية في العالم الإسلامي.
وكلا الفريقين كفى نفسه مشقة التفكير والتجديد والتطوير والمقارنة والنقد، مع اختلاف في الدوافع والأهداف، وكلاهما لم يقدم حلًا عمليًا ومؤثرًا لمشكلة الفراغ التنظيري في العلوم الإنسانية من جهة، والتشويه التنظيري الذي سببه النقل النظري غير الواعي وغير المسؤول مع الآخر، من جهة أخرى.
ومما يميز الكتابة الفكرية لدى الغربيين الاهتمام والالتزام بـ (وحدة الموضوع) المبني على أو المستخرج من المفهومات العامة؛ حيث يتناول الكتاب الفكري عادة موضوعًا واحدًا يكون على شكل مفهوم رئيس أو عدة مفهومات رئيسة تنسج حولها مفهومات أخرى جانبية، وترتبط هذه المفهومات جميعًا بالمفهوم الرئيس بحجج فكرية وبأساليب تحليلية متنوعة؛ إذ يشكل المفهوم الرئيس الخط الفكري الذي ينتظم حجج الموضوع، وبالتالي مفهوماته من أوله إلى آخره، وتكون الحجة الرئيسية للموضوع ـ والمحتوية على المفهوم الرئيس عادة ـ على شكل حجة أو فكرة واضحة ومتكاملة، تأتي ردًا على حجة أخرى مطروحة سلفًا أو مقابلًا لها (تضاد الأفكار والحجج هو محور بناء الموضوع) .