وبسبب تشابه بنى اللغات البشرية، وتشابه طرائق التفكير ذات الطابع الكوني أو «عبر الثقافي» ، وكذلك تداخل الثقافات واتصالها؛ فإن المترجم سيجد قدرًا مشتركًا بين اللغتين والثقافتين والفكرين لا يحتاج فيه إلى إعادة الصياغة بالمعنى المقصود هنا، وإنما تكفي فيه الترجمة الجيدة بالمعنى المعروف.
وعادة ما يتفاوت الكتاب المفكرون في مدى قربهم أو بعدهم عن فكر اللغة أو الثقافة المقابلة الأخرى وأسلوبها (أي مقدار وجود القدر المشترك بين اللغتين والثقافتين) ؛ وذلك حسب اختلاف تأهيلهم ومعرفتهم بالموضوع المطروح، ومعرفتهم بالآخر المخاطب وفكره وتاريخه وثقافته، واستحضار ما أمكن من ذلك أثناء الكتابة.
ومما يدخل في عملية «إعادة صياغة» المفهومات أو المصطلحات أو العبارات أو التراكيب أو الفقرات: التقديم والتأخير، والتبديل، والحذف والإضافة، ومراجعة العلاقات المتعددة بين المفهومات والاستنتاجات المنطقية الرئيسة العامة والفرعية التفصيلية، وإبراز بعض الجوانب المهمة التي اختصرها المفكر، إلى غير ذلك.
ويدخل في مراعاة خصوصية القراء الغربيين أيضًا استخدام المصطلحات والمفهومات المعروفة عندهم، ليس عن طريق نقل المصطلحات والمفهومات والعبارات والتراكيب الواردة في النص الأصلي أو العربي وترجمتها حرفيًا، والذي غالبًا ما يسبب اللبس والغموض في المعنى؛ ومن ثم تثبيط القارئ وصرفه عن الاستفادة أو التأثر بالمكتوب، أو الاكتفاء بترجمة معانيها فقط وفق ما يراه المترجم، وإنما عن طريق استخدام ما يقابلها في اللغة والثقافة الأخرى لكي يسهل تصورها وفهمها، مع إبراز الفروق الجوهرية في دلالات المفهومات والقيم الإيديولوجية بين الثقافتين؛ لكي يظهر تميز الفكر الإسلامي وأصالته وشموله وعمقه.