إن العلاقة التبادلية بين الكاتب والقارئ والتي تنشأ عن طريق النص تكون ـ أو تتكون ـ أثناء كتابة النص لا بعدها؛ إذ هي تشكل الخطاب وتحدد معالمه وأبعاده وجوانبه المتعددة؛ المعرفية والأسلوبية على حد سواء. بمعنى آخر: إن إيديولوجية القارئ ومعرفته الخاصة عن الموضوع، أو العامة عن المفكر والثقافة الأخرى، وأفكاره وقيمه؛ ينبغي أن تسهم بشكل كبير في صياغة النص ـ وخصوصًا النهائي ـ أثناء الكتابة. ولأن هذا الشرط البلاغي ينبغي توفره في الكتابة أحادية اللغة والثقافة؛ فإن الحاجة إليه في الحوار والتخاطب «عبر الثقافي» أشد والاهتمام به أولى. وهذا ما يجعل الكتابة الفكرية بالعربية (أي مخاطبة الآخر بلغة المتحدث) أولًا ثم ترجمتها (بالمعنى السائد للكلمة) إلى لغة المخاطب إخلالًا بهذا الشرط المهم في الغالب. والأولى أن يأخذ النص المكتوب بلغة المخاطبين ـ سواء أكُتب مباشرة أو صِيغ من النص الأصلي ـ جل العناية والمراجعة؛ حيث يجب أن يعامل النص المترجم خصوصًا كنص مستقل يخضع لقواعد لغته وفكره ومنطقهما، وليس للغة النص الأصلي وفكره (عادة تأتي هذه المرحلة من المراجعة النهائية الدقيقة المنبتة عن النص الأصلي، بعد مرحلة انتقالية من الترجمة يكون فيها النص المترجم أقرب إلى لغة النص الأصلي ومنطقه وفكره) .
* ثالثًا: بعض الجوانب والمقترحات العملية:
الكتابة الفكرية بين الواقع والمأمول: