أثبتت التجارب أن التواضع فضيلة تهدي صاحبها للحق، وأما الكبر والغرور بالنفس والإعجاب بها، فيصد عن الحق البين الظاهر، وقد ورد عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - في صحيح مسلم قوله:"الكبرُ بطر الحق وغمط الناس"وبطر الحق رده والإعراض عنه؛ كما أخبر الخالق - عز وجل - أن معصية إبليس كان الدافع إليها الكبر والغرور، قال - تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة: 34] ، ولما سأله الله - عز وجل - عن السبب قال معجبًا: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] .
ولا يكون الحوار مثمرًا في مجال معرفة الحق إلا إذا كان قائمًا على الأدلة والبراهين، ولقد علمنا الإسلام في مجال إحقاق الحق أن نتحاور مع الآخرين وفق قاعدة: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [النمل: 64] .
فالمحاور المسلم لا يصدر في نشدان الحق عن طلب المغالبة غرورًا، أو الجدال بالباطل، كما أنه لا يقبل الدخول في الجدال المذموم عند إثارة أية فكرة أمامه، فذلك عبث سخيف وجهد ضائع، ويسعى لإغلاق أبواب الحوار التي تدخل بالمحاورين إلى متاهات... ويوجه الحوار إلى الفكرة التي تظهر الحق وتساعد على بناء حياة كريمة قائمة على مد الجسور بين البشر وصولًا إلى مافيه الخير والنفع.
وقد أثبت التاريخ أن الأطراف المتحاورة إذا كانت من أهل الإنصاف فإنها تعترف بالحق عند ثبوته.
ومن الفضائل الهامة أن لا يستنكف المتحاور من قبول الحق ولو جاء ممن هو دونه علمًا أو سنًا أو قدرًا، ومن الرجوع للحق بعد أن يتبين له؛ وقد أرشد القرآن إلى أن ابن آدم الأول تعلم من غُراب: كيف يواري سوأة أخيه؟!، كما أن سليمان - عليه السلام - تعلم من الهدهد مالم يكن يعلمه: {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين} [النمل: 21] .