وقد حفظ لنا التاريخ رسالة الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في القضاء، والتي جاء فيها:"ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، فهديت فيه إلى رشدك، أن تراجع نفسك اليوم فإن الحق قديم، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل" [إعلام الموقعين لابن القيم 1/152] .
وأن تكون فرصة الحوار متكافئة، فلا يُشعر طرف بالقهر أو الضعف، إذ أنه لو كان الحوار بين قوي وضعيف، أو غالب ومغلوب، أو مستعمر ومستعمر، أو قاهر ومقهور.. الخ، فإنه لن يكون هناك حوار، وإنما سيكون هناك إملاء من طرف والقبول أو الاستسلام من الطرف أو الأطراف الأخرى... وهذا الذي دل عليه الواقع الذي نقله لنا القرآن وسواه، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
أ - قص علينا القرآن الكريم ما كان من فرعون - رمز الاستبداد السياسي والقهر - حين جاءه موسى يحاوره {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر: 29] .
ب - جاء في الأدبيات وخاصة في الشعر العربي ما يؤكد هذه الحقيقة، وتأمل قول القائل:
جَلو صارمًا وتلوا باطلًا *** وقالوا صدقنا، فقلنا: نعم
أي رفعوا السيف فوق الرؤوس وقالوا الباطل، ثم قالوا لهم: قلنا الصدق، فقال من تحت السيف: نعم قلتم الصدق!!.
ج - أما في التاريخ الحديث فيكفي أن يراجع الإنسان مواقف القوى العالمية الكبرى، منذ الحرب العالمية الثانية، تجاه قضايا العالم الثالث على العموم، والبلاد الإسلامية على الخصوص، حتى يتجلى له انطباق هذه الحقيقة على الضعفاء، وكم ضاعت حقوق في مؤتمرات عقدت للحوار حول قضايا محددة؟ تكفي نظرة سريعة على مجريات المؤتمرات التي عقدها"الكيان الصهيوني"بإشراف أمريكا مع العرب، ابتداء من"كامب ديفيد"وانتهاء بـ"شرم الشيخ"حتى يتبين كيف استسلم الضعفاء للأقوياء؟ ويكفي أن يستمع الإنسان أو يقرأ ما قاله رئيس جمهورية البوسنة عقب مؤتمر"دايتون"ليعلم مدى الظلم الذي وقع على المسلمين... الخ.