ولم يقتصر النبي - - صلى الله عليه وسلم - - على محاورة أصحاب الديانات الأخرى، بل قد حاور أيضا بعض أهل الإسلام، الذين كانوا يسألون عن بعض الأمور التي تشكل عليهم مثل الرجل الذي جاءه يسأله أن يأذن له بالزنا، ناقشه الرسول وحاوره وبين له حتى أبعد الشبهة التي وردت على خاطره ونفسه.
وبعد وفاة النبي - - صلى الله عليه وسلم - - استمر أصحابه - رضي الله عنهم - على منهجه، فبدأوا يحاورون أصحاب الديانات الأخرى.. حاوروا الروم والفرس فدخل عدد كبير منهم - بالحكمة والأسلوب المقنع - في الإسلام، وحاوروا أصحاب الفرق التي عندها شيء من البدع والضلالات، ومن ذلك محاورة ابن عباس - رضي الله عنهما - للخوارج عندما خرج آلاف منهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فناقشهم ابن عباس وحاورهم وكشف شبههم حتى عادوا إلى سبيل الحق وطاعة أمير المؤمنين، وما زالت الأمة تنتهج هذا الأسلوب من المحاورات والمناقشات والمجادلات الفقهية حتى يتمكن العلماء من الوصول إلى الحق وبيان حكم الله - عز وجل - فيما يرد عليهم من المسائل والحوادث.
النهي عن الجدال والمراء
وبين فضيلة الدكتور الشثري موقف الإسلام من الجدال والحوار فيقول: إن بعض النصوص قد نهت عن شيء من الجدال والمراء، ومن ذلك ما ورد في الحديث النبوي من قول النبي - - صلى الله عليه وسلم -: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا) ، وفي الحديث الآخر أن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - قال: (ما أضل الله قوما بعد إذ هداهم إلا أوتوا الجدل) ، ثم تلا قوله - جل وعلا: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قومِ خصمون} .
فما هو الفاصل بين ما يكون جدالا مشروعا محمودا مرغبا فيه من الشرع، وبين ما يكون مراء محذورا ممنوعا في الشرع؟