فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 1019

وهنا لفته لطيفة فيها خفاء وهي أن الله أمر المؤمنين في قوله: {ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} بالصبر على أذى أهل الكتاب غير المحاربين؛ لأن المقصود بالذين ظلموا في الآية عند بعض المفسرين أي الذين حملوا السيف وآذوا المؤمنين أذى جسديًا، فإذا كانت المجادلة بين طرفين فإن المأمور بالحسنى يجب أن يحتمل من لم يجادل بالحسنى أي الطرف المقابل؛ لأن الجدال بالحسنى يدعو الطرف الآخر إلى الحسنى كذلك ويقربه إلى سماع الحق، ولو استعرضت أذى اليهود لرسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -، في قولهم {راعنا} وفي تهديدهم له بعد معركة بدر، وفي محاولة تعجيزه بالسؤال، وفي قولهم له: (السام عليك يا محمد) وفي قول اليهود له: (أنتم قوم مطل يا بني عبد المطلب) وغيرها كثير، إذا علمت ذلك فسيتضح لك مدى الإحسان منه في جدال أهل الكتاب عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. قال الإمام النسفي - رحمه الله:" {إلا بالتي هي أحسن} بالخصلة التي هي أحسن للثواب، وهي مقابلة الخشونة باللين والغضب بالكظم كما قال: {ادفع بالتي هي أحسن} ". إن صاحب المبدأ العالي والمقامات الرفيعة لا يحاور الخلق ويناظرهم ابتغاء الغلبة عليهم وإذلالهم، وإنما رحمة بهم ودلالة لهم على الحق والخير ، ولا يمنع ذلك من الإستظهار بكل ما يؤيد رأيه من أدلة الوحي المنزل والعقل المنوّر بنور الفيوضات الربانية، لكنه لا يبحث عن النصر شهوة وتعاظمًا وإنما موافقة لمراد الله ودعوة للآخرين، على مذهب أنبياء الله أهل المقامات العليا {ويَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللَّهِ... } {يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى الَذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} . وكما قال مؤمن آل فرعون: ويَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وتَدْعُونَنِي إلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت