والقصور الذاتي لنظم الدلالة اللغوية، يجعل فهمنا لكثير من الأمور ظنيًا، وقابلًا للتغيير والتبديل. لهذه الأسباب - وأخرى غيرها - يكون من المنطق ومن الواقعية أن نحاول رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخرين، وأن نعدّ تعدد زوايا النظر شيئًا مشروعًا في كثير من الأحيان. كلما زادت درجة التعقيد في المعطيات كان من المنهجية أن نزيد في درجة المرونة خلال المعالجة والتنظير. ونحن اليوم متفقون على أن أوضاعنا ليست على ما يرام، وأن لدينا الكثير من المشكلات الملحة. كما أننا متفقون على ضرورة القيام بإصلاح شامل وجذري على العديد من الصعد، لكن لأسباب موضوعية لا نستطيع تحديد الأولويات الإصلاحية كما أننا لا نستطيع تقدير حجم رأس المال الأخلاقي والعلمي والاجتماعي الذي نملكه والذي نحتاج إليه في عملية الإصلاح. وقل نحوًا من ذلك في الأدوات والأساليب التي علينا أن نستخدمها في ذلك. هذا يعني أن التسامح تجاه الوجهات الإصلاحية المختلفة لا يكون شيئًا من قبيل الإحسان، وإنما من قبيل الضرورة. قد كان علماؤنا القدامى يقولون في التعبير عن هذا المعنى: «مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب» . وبما أن المجال الفقهي غني بالنصوص التي تؤطر المعالجة الاجتهادية فإن مجال تعدد الصواب يكون معدومًا أو ضيقًا. أما في مجال الاجتهاد الحضاري والإصلاحي فإن الأمر واسع، فإذا اجتمع خمسة من التربويين لبلورة خطة لإصلاح الشأن التربوي، فسيكون في إمكان كل واحد منهم أن يقول: ما أراه صواب يحتمل الخطأ. وما يراه غيري صواب يحتمل الخطأ. وقد يكون الصواب في حقيقة الأمر مع شخص سادس أو سابع خارج المجموعة. وقد يكون موزعًا على الجميع. ولهذا فإن التشبث بالمواقف كما يفعل من يملك الحق القطعي الذي لا شبهة فيه - لا يستند إلى رؤية موضوعية ولا إلى أساس متين من حسن النظر.