-من المهم دائمًا أن يعكس التعبير الذي نستخدمه في توضيح آرائنا ومذاهبنا طبيعية الظن والاحتمال الذي يخترق العمل الاجتهادي. وسنكون مطالبين ألا نندفع إلى استخدام تعبيرات تحمل درجة من القطع والوثوق، تأباها طبيعة المقدمات والمعطيات التي بنينا عليها رؤانا الإصلاحية. من المعروف في هذا السياق أن النصوص الشرعية في المجال السياسي قليلة جدًا إذا ما قورنت بما هو متوفر في مجال العبادات - مثلًا - مما يعني وجود أمداء واسعة للاجتهاد والاختلاف وتباين الطروحات. وهذا يملي علينا أن نستخدم التعبيرات التي توحي بوجود رؤى شخصية، وأن نبتعد عن التعبيرات التي يفهم منها أننا نتحدث عن حقائق مطلقة أو مسائل بدهية أو قطعية. وقد عتب الإمام الجويني في كتابه (غياث الأمم في التياث الظلم) على الماوردي فيما صنعه في كتابه (الأحكام السلطانية) حيث إنه لم يراع هذا المعنى في طريقة صياغته وعرضه لمسائل السياسة الشرعية في ذلك الكتاب. إنه - كما يقول الجويني - ساق الظنيات في مساق القطعيات. وفي هذا تحميل للأمور أكثر مما تتحمل، وهذه ملاحظة ذكية جدًا، وآمل أن ننتفع بها في مجالاتنا اليوم.
? يصعب علينا أن نقول إننا نملك فضيلة التسامح إذا لم نؤمن إيمانًا عميقًا بجدوى (الحوار) في تحسين رؤيتنا للأشياء. حين نعتقد أن في كل المسائل الغامضة نقاطًا مظلمة، تحتاج إلى إضاءة، وأننا من خلال قدراتنا العقلية والمعرفية الخاصة، لا نتمكن من إضاءة تلك النقاط، فإننا سنسعى إلى الحوار بوصفه الأداة الوحيدة لتوضيح الصورة الذهنية لمعظم الأشياء وقد قال أحدهم بحق: «إن الأفكار لا تنضج إلا إذا لاكتها ألسنة المناظرة» .