فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 1019

من خلال الحوار نمحص الفكرة بالفكرة والمقولة بالمقولة. ومن خلال الحوار نمنح الأفكار امتدادات جديدة، كما نحرم بعض الأفكار من امتدادات غير مشروعة. ينطوي الحوار على التسامح، لأنه ينطوي على اعتراف ضمني بالقصور، ويحدّ من غلواء الاعتداد بالذات. وهذا هو الذي يرسخ لدينا مشاعر الحاجة إلى الآخرين. وبمجرد توفر هذا الشعور يبدأ التنازل، وتبدأ حركة التأثير والتأثر. والشعور بالحاجة إلى الآخرين - من وجه آخر - يشكل شرطًا للاستفادة من الحوار. إن كل واحد منا مطالب بالإيمان بأن الحوار ليس شعارًا نرفعه، أو شيئًا تزيينيًا، نتجمل به، وإنما هو مصدر لتعبير الأفكار وتنمية الاتجاهات وإزالة الأوهام. سيكون الحوار مثمرًا إذا استطاع أن يوجد المزيد من الشك في أمور كنا ننظر إليها نظرة الموقن الجازم بما يرى وبما يذهب إليه. وإن الشك يولد بداية لامتلاك زمام المراجعة، في الوقت الذي يؤسس فيه للتسامح. ومن المفيد أن نتأمل في قول الله - تعالى: قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين> (سورة سبأ 24) . من الواضح أن الآية تشتمل على توجيه للنبي - - صلى الله عليه وسلم - - بأن يدعو الكفار إلى المحاورة من أجل اكتشاف الفريق المهتدي من الفريق الضال. إن النبي لا يشك، ولا يشك المؤمنون معه كذلك أن الحق معهم، لكن هذه الدعوة من باب التشجيع على مراجعة الكلام وإثارة النقاش. إنه تسامح شديد الوضوح يتيح درجة من التكافؤ بين الرسول المعصوم والمبلغ عن ربه وبين أقوام لم ينالوا من العلم إلا أقل القليل. وقد قال بعض النحويين إن (أو) في الآية للتشكيك. إنها تساعد على إيجاد جو من الشك يشجع المعرضين عن الإسلام على الانفتاح من جديد على الدعوة المقدمة إليهم من خلال الإيحاء باستعداد المسلمين للانفتاح على ما لدى مخالفيهم. وهذا مثل قول الواثق من حجته لخصمه: أحدنا على الحق، أو أحدنا كاذب مع أنه لا يشك أنه صادق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت