ثالثًا: يجب أن يعلم كذلك أن من أصول أهل السنة والجماعة الأخذ بالأصول كلها والثوابت جميعها، والتوفيق بين الأدلة على وجه يعمل بها كلها، وأن لا يكون شيء منها مهجورًا، وهذا من أعظم الأصول التي أكرم الله بها أهل السنة ووفقهم لها بحيث تستقيم طريقتهم، وتتآلف أصولهم، وتوزن أحكامهم على المخالف بميزان العدل والقوة معًا.
رابعًا: إذا فهم هذا فإنه يجب إعمال أصل المفارقة، والرد على المخالفات، ويجب في نفس الوقت إعمال الأصل الآخر وهو الحرص على الوحدة والائتلاف، ولا يجوز تدمير أحدهما بالآخر، وهذا يحتاج إلى فقه التنزيل من وجوه عديدة منها:
1)الحفاظ على التصور الشامل لكلا الأصلين عند التطبيق والانطلاق منهما معًا حتى لا يطغى أحدهما على الآخر إما بتغليب المفارقة والوحشة من المخالف، أو بتغليب جانب العقل المعيشي وأخلاقية المداهنة والمجاملة على حساب الدين والمبدأ.
2)عند التأمل في هذين الأصلين يظهر في كل أصل منهما عند التزاحم مسائل تندرج في قائمة الأصول التي قد لا تقبل التنازل لحساب المسألة الأصلية الأخرى، وبعضها قد يقبل ويظهر أيضًا في كلا الأصلين مسائل فرعية يمكن أن تتنازل إحداهما للأخرى، وكذلك مسائل الأصول حين تتعارض مع مسائل الفروع فيحتاج المجتهد إلى الموازنة في التعامل مع تزاحم هذه الأصول مع الفروع، ومع بعضها البعض، وتقديم الأهم فالأهم، والأعظم فالأعظم، ولو على حساب فوات ما هو أدنى، لأن هذه هي قاعدة تزاحم المصالح والمفاسد كما بينها المحققون من أمثال العز بن عبد السلام، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم، وليس المراد الإسقاط الدائم والإلغاء التام لهذه الأصول والفروع من قبل بعضها البعض فإن هذا لا يجوز في أصل ولا فرع، وإنما المراد أيهما يقدم في التطبيق عند التزاحم والآخر ينتظر به حتى الوقت المناسب له.