3)ليست هذه الأصول على أهميتها وثباتها أصولًا لا تقبل إلا الصرامة في التنفيذ الجاف في كل حال وفي كل مكان؛ بل تطبيقها خاضع للقوة والضعف من كلا الجانبين الراد والمردود عليه، والمنكر والمنكر عليه، وحال المخالف من كونه متقبلًا أو معاندًا، عالمًا أو جاهلًا، مؤدبًا أو سفيهًا، قاصدًا للحق أو مثيرًا للشغب، ينفع معه اللين أو يناسب له التغليظ، وهذا الاختلاف في التنزيل والتطبيق يرجع إلى البصيرة في الدعوة التي أمر الله بها في قوله تعالى: (( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) )، وهذه البصيرة تشمل الشدة والتشنيع على المخالف في الموقع المناسب كما قال تعالى: (( جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) )، وقال (( وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا ) )، وفي المقام الآخر (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) )، وقال تعالى: (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) )، وقال في بيان اعتبار حال المخالف (( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) )، فجعل للظالم منهم حكمًا ولغير الظالم حكمًا آخر، وقال تعالى: (( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعًا عليمًا ) ).
والخلاصة: أن مثل هذه الأمور ترجع إلى أصل عظيم من أصول أهل السنة وهو:
هل يمكن أن يجتمع في الشخص الواحد ما يحب من أجله وما يبغض من أجله، فيحب من جهة ويبغض من جهة، ويوالى من جهة ويعادى من جهة، مع التزام العدل له وعليه؟!!