كذلك ورد في دعاء رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - لابن عباس - رضي الله عنهما:"اللهم فقِّهه في الدين، وعلمه التأويل"استعمل التأويل بمعنى التفسير والبيان، وإن كان بعض العلماء، كالراغب الأصفهاني في مفرداته، قد اعتبر التفسير أعم من التأويل، كما أنه نبه إلى أن التفسير أكثر ما يستعمل في بيان الألفاظ وشرحها، وأن التأويل يكثر استعماله في بيان المعاني والجُمل.
كما أشار كذلك إلى أن التأويل يغلب إطلاقه على استنباط المعاني من نصوص الكتاب والسنة، أما التفسير فيتناول استنباط المعاني منها ومن غيرها.
ولعل هذه الصلة الوثقى بين الاصطلاحين في استعمال الكتاب والسنة لهما خاصة، تبيح لنا استعارة الضوابط التي وضعها أهل الاختصاص للتفسير كضوابط للتأويل كذلك.
إن مما لا شك فيه أنه قد وردت في كتاب الله أمور قد استأثر الله - تعالى - بعلمها، كمعرفة حقائق الأسماء والصفات، وتفاصيل الغيب ونحو ذلك... كما أن هناك أمورًا أخرى أطلع عليها نبيه - - صلى الله عليه وسلم - - واختصه بمعرفتها... ولا شك أن مثل هذه الأمور، ليس لأحد أن يخوض فيها بتفسير أو تأويل.. بل عليه أن يلزم حدود ما ورد فيها في كتاب الله وسنة رسوله - - صلى الله عليه وسلم - -.
وهناك قسم ثالث: وهو عبارة عن العلوم التي علمها الله لنبيه - - صلى الله عليه وسلم - - مما أودع في كتابه، وأمر نبيه - - صلى الله عليه وسلم - - بتعليمها وبيانها. وهذا القسم يشتمل على نوعين:
الأول:
وهو ما لا يجوز الخوض فيه إلاّ بطريق السمع، كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيره.
الثاني:
ما يؤخذ بطريق النظر والاستدلال، وهذا أيضًا لأهل الاختصاص فيه موقفان:
(أ) فقسم منه اختلفوا في جواز تأويله، كآيات الأسماء والصفات. ومذهب السلف: منع التأويل، وهو الصحيح.
(ب) وقسم اتفقوا على جوازه، وهو استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهو المسمى ب"الفقه".