وقد جاءت الشريعة وفيها مسائل فيها أدلة قطعية محكمة، ومسائل أخر ليس فيها ذلك، فمجيئها في الشريعة علي هذا الوجه دليل الإذن بالاجتهاد فيها، وأنها تتسع لأكثر من فهم و أكثر من تفسير، وإلا لجعل الله تعالي فيها من قواطع الأدلة ما يرفع التشابه ويغني عن النظر ويمنع الاختلاف (25)
ولقد أجمعت الأمة بكل مذاهبها علي مشروعية الاجتهاد، ومارسته بالفعل، وكان من ثمراته هذه الثروة الفقهية العريضة (26) .
ولذا كان - ومازال - العلماء و الفقهاء منذ عهد الصحابة - وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا - إلي يومنا هذا يختلفون في كثير من مسائل الأحكام (27) ، بل ما اختلفوا فيه فوق الحصر.
يقول ابن تيمية: وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط (28) .
ولكن ليس كل خلاف يعتد به و ينظر فيه، كما قيل:
ليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلاف له حظ من النظر
فلا يعتد بالخلاف إذا كان:
1 -خطأ مقطوع به في الشريعة يناقض نصًا صحيحًا أو إجماعا صريحًا (29)
كما سبق بيانه.
2 -إذا جاء ممن لا يعتد بخلافه، كأهل الفرق الضالة و المبتدعة.
3 -إذا كان اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فهذا في الحقيقة ليس بخلاف،
فكل واحد من المختلفين مصيب بلا تردد، ولكن الذم واقع علي من بغي علي الآخر فيه، و هذا الخلاف مثل:
أ -تنوع في العبادات والألفاظ؛ فمنه ما يكون كل من القولين هو في معني القول الآخر لكن العبارتان مختلفتان؛ كتفسير الصراط المستقيم بأنه كتاب الله أو الإسلام أو الحق أو النبي - - صلى الله عليه وسلم - - وحاصلها يرجع إلي شيء واحد و هو المتابعة لله و للرسول (30) .
ومنه ما يكون المعنيان متغايرين لكن لا يتنافيان (31) .
ب - تنوع الواجبات فيجب علي قوم الجهاد و علي غيرهم الزكاة.
جـ - تنوع المستحبات باختلاف القدرة والفعل والانتفاع بالفعل المستحب، فالطريقتان مشروعتان، ولكن هؤلاء قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخرى (32) .