فهرس الكتاب
ودفعًا لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى، فإن وجوب هذا قبل وجوب ذاك ومنفعته قبل منفعته ومعلوم أنه يحتاج كل وقت إلى السيف، فكذلك هو محتاج إلى العلم والبيان وإظهاره بالعلم والبيان من جنس إظهاره بالسيف وهو ظهور مجمل علا به على كل دين)، وقال أيضًا رحمه الله [1] : (فإن من الناس من يقول آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخة بآية السيف لاعتقاد أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط؛ فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضًا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس .. ومناقضة قوله لهم {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} عن القتال لقوله {قَاتِلُوهُمْ} ، كما قال تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} ، فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم، فأما قوله تعالى {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ، وقوله {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} ، فهذا لا يناقض الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم، ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة) - ثم ذكر رحمه الله وجوهًا في الجمع بين الأمر بالجدال والأمر بالقتال - قال في آخرها: (الوجه الخامس: هو أن يقال إن المنسوخ هو الاقتصار على الجدال) .
وقال رحمه الله [2] : (فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر مأمورًا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده؛ فيدعوهم ويعظهم ويجادلهم بالتي هي أحسن ويجاهدهم بالقرآن جهادًا كبيرًا، قال تعالى في سورة الفرقان - وهي مكية - {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} ، وكان مأمورًا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت وأمره بنبذ العهود المطلقة فكان الذي رفعه ونسخه ترك القتال وأما مجاهدة الكفار باللسان فما زال مشروعًا من أول الأمر إلى آخره) .
وقال عبد الله عزام رحمه الله [3] : (لقد شرع القتال في الإسلام لنشر الدعوة الإسلامية، وإنقاذ البشرية من الكفر، ونقلهم من ظلمة الدنيا إلى نور الدنيا والآخرة، ولذا فإن القتال في هذا الدين الحنيف لإزالة العقبات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية أمام الدعوة الإسلامية، بل تستطيع أن تقول أن وظيفة الجهاد(القتال) ؛ هو تحطيم الحواجز التي تقف دون نشر هذا الدين في ربوع العالمين، فإن قبل الناس هذا الدين فلا حاجة لإشهار سيف، ولا إراقة دماء، ولا إتلاف منشآت وأموال، لأن هذا الدين جاء للإصلاح والإعمار لا للإتلاف والدمار).
وقال عبد الرحمن الدوسري رحمه الله [4] : (إن قتال الكفار على العموم واجب بالنصوص القطعية من وحي الله كتاب وسنة وهذا القتال للهجوم [5] لا للدفاع كما تَصوَّره بعض المنهزمين هزيمة عقلية
(1) 2 الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح (1/ 218 - 222) .
(2) 3 الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح (1/ 237) .
(3) 1 التجارة المنجية (95) .
(4) 2 الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة (172 - 173) .
(5) 3 الصحيح أن يُقال قتال وجهاد البداءة والطلب لأن هذه اللفظة - الهجوم - لم ترد في كلام المتقدمين وإنما هي من كلام المتأخرين مع الهجمة الشرسة من قبل المستشرقين وهم يعنون بذلك هجوم دولة على أخرى بغير حق.