فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 879

رموني وقالوا يا خويلد لم تُرع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم

أراد"أهم"فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي. قال الأخفش"ما"بمعنى الذي. وقيل: هو شرط. قال النحاس: والصواب قول الأخفش؛ لأنه نزل في شيء بعينه من الجدب، وليس هذا من المعاصي في شيء ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة. وروى عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي وابن مسعود"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك"فهذه قراءة على التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن مسعود وأبي منقطع؛ لأن مجاهدا لم ير عبدالله ولا أبيا. وعلى قول من قال: الحسنة الفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما أصابهم يوم أحد؛ أنهم عوقبوا عند خلاف الرماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحموا ظهره ولا يبرحوا من مكانهم، فرأوا الهزيمة على قريش والمسلمون يغنمون أموالهم فتركوا مصافهم، فنظر خالد بن الوليد وكان مع الكفار يومئذ ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشف من الرماة فأخذ سرية من الخيل ودار حتى صار خلف المسلمين وحمل عليهم، ولم يكن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرماة إلا صاحب الراية، حفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف حتى استشهد مكانه؛ على ما تقدم في"آل عمران"بيانه. فأنزل الله تعالى نظير هذه الآية وهو قوله تعالى:"أولما أصابتكم مصيبة" [آل عمران: 165] يعني يوم أحد"قد أصبتم مثليها"يعني يوم بدر"قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم". ولا يجوز أن تكون الحسنة ههنا الطاعة والسيئة المعصية كما قالت القدرية؛ إذ لو كان كذلك لكان ما أصبت كما قدمنا، إذ هو بمعنى الفعل عندهم والكسب عندنا، وإنما تكون الحسنة الطاعة والسيئة المعصية في نحو قوله:"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها" [الأنعام:160] وأما في هذه الآية فهي كما تقدم شرحنا له من الخصب والجدب والرخاء والشدة على نحو ما جاء في آية"الأعراف"وهي قوله تعالى:"ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون" [الأعراف: 130] ."بالسنين"بالجدب سنة بعد سنة؛ حبس المطر عنهم فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم."فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه"أي يتشاءمون بهم ويقولون هذا من أجل أتباعنا لك وطاعتنا إياك؛ فرد الله عليهم بقوله:"ألا إنما طائرهم عند الله" [الأعراف: 131] يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضر من الله تعالى لا صنع فيه لمخلوق؛ فكذلك قوله تعالى فيما أخبر عنهم أنهم يضيفونه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله"كما قال:"ألا إنما طائرهم عند الله"وكما قال تعالى:"وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله" [آل عمران: 166] أي بقضاء الله وقدره وعلمه، وآيات الكتاب يشهد بعضها لبعض. قال علماؤنا: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شيء بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته؛ كما قال تعالى:"ونبلوكم بالشر والخير فتنة" [الأنبياء: 35] وقال تعالى:"وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال" [الرعد: 11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت