فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 879

هارون، وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه. وبالجملة فقد فسقوا بقولهم؛ لقوله تعالى:"فلا تأس على القوم الفاسقين"أي لا تحزن عليهم."إنا ههنا قاعدون"أي لا نبرح ولا نقاتل. ويجوز"قاعدين"على الحال؛ لأن الكلام قد تم قبله.

قوله تعالى:"قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي"لأنه كان يطيعه. وقيل المعنى: إني لا أملك إلا نفسي، ثم ابتدأ فقال:"وأخي". أي وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه؛ فأخي على القول الأول في موضع نصب عطفا على نفسي، وعلى الثاني في موضع رفع، وإن شئت عطفت على اسم إن وهي الياء؛ أي إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا. وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا."فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"يقال: بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم؟ ففيه أجوبة؛ الأول: بما يدل على بعدهم عن الحق، وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان؛ ولذلك ألقوا في التيه. الثاني: بطلب التمييز أي ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب، وقيل المعنى: فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به؛ ومنه قوله تعالى:"فيها يفرق كل أمر حكيم" [الدخان: 4] أي يقضي. وقد فعل لما أماتهم في التيه. وقيل: إنما أراد في الآخرة، أي اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار؛ والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر:

يا رب فافرق بينه وبيني ... أشد ما فرقت بين اثنين

وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ:"فافرق"بكسر الراء.

قوله تعالى:"قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض"استحباب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة. وأصل التيه في اللغة الحيرة؛ يقال منه: تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير. وتيهته وتوهته بالياء والواو، والياء أكثر. والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها؛ وأرض تيه وتيهاء ومنها قال:

تيه أتاويه على السقاط

وقال آخر:

بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا ... الحزن قد كانت فراخا بيوضها

فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة - قيل: في قدر سنة فراسخ - يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا؛ فكانوا سيارة لا قرار لهم. واختلف هل كان معهم موسى وهارون؟ فقيل: لا؛ لأن التيه عقوبة، وكانت سنو التيه بعدد أيام العجل، فقوبلوا على كل يوم سنة؛ وقد قال:"فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين". وقيل: كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم. ومعنى"محرمة"أي أنهم ممنوعون من دخولها؛ كما يقال: حرم الله وجهك على النار، وحرمت عليك دخول الدار؛ فهو تحريم منع لا تحريم شرع، عن أكثر أهل التفسير؛ كما قال الشاعر:

جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت