فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 879

سنته الجارية، تطلعا إلى خارقة تتحقق على يد"وليّ"من أولياء الله تنحل بها المشاكل بلا تعب ولا نصب ولا انشغال بال!

والإيمان المختل بعقيدة القضاء والقدر، الذي يسقط مسئولية الإنسان عن أعماله حين يخطئ أو يقصر بدعوى أن ما يصيبه هو قضاء وقدر لاحيلة له فيه، ويدعو إلى الاستسلام السلبي لكل ما يقع، وعدم السعي إلى تغييره بدعوى أن العمل على التغيير هو بمثابة التمرد على قدر الله وعدم الرضا بقضائه، ويدعو إلى عدم الأخذ بالأسباب بدعوى أن هذا نقص في الإيمان، ودليل على عدم التوكل على الله .. كل ذلك كان انحرافا متعلقا بالعقيدة، ومجافيا لمنهج السلف الصالح الذين كانوا أصفى الناس إيمانا بالقضاء والقدر، ولكنهم كانوا يعلمون من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن الإيمان بالقضاء والقدر لايسقط مسئولية الإنسان عن عمله حين يخطئ أو يقصر، ولا يمنع السعي إلى التغيير تطلعا إلى قدر جديد من عند الله، وان التوكل الصحيح لا يمنع الأخذ بالأسباب، وأن حتمية تحقق قدر الله ومشيئته لا تتنافى كذلك مع اتخاذ الأسباب.

ففي وقعة أحد قال الله للمسلمين إن ما أصابهم من الهزيمة هو من عند أنفسهم لمخالفتهم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو في الوقت ذاته قضاء وقدر:

(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ .. ) [1] .

وحين وقعت الهزيمة لم يقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السعي إلى تغيير الموقف، فأخذ المسلمين - بجراحاتهم - للقاء العدو، فانصرف العدو بفضل الله وآثر الانسحاب دون قتال:

(الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [2] .

وتلقى الرسول صلى الله عليه وسلم توجيها من ربه له وللأمة المسلمة من ورائه أن يعدّ العدة ثم يتوكل على اللَه:

(فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [3] .

والعزيمة تقتضي الإعداد وإلا فهي مجرد أمانيّ لاتغير شيئا من الواقع.

وقرر الله سبحانه وتعالى أن الذين كفروا لن يسبقوا الله ولن يعجزوه. وأن قدر الله بالتمكين لهذا الدين في الأرض ماضٍ ونافذ. ومع ذلك أمر المسلمين بالإعداد واتخاذ الأسباب في نفس السياق:

(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) [4] .

وقد أدى هذا الخلل العقدي في عقيدة القضاء والقدر إلى تواكل سلبي بدلا من التوكل الحق، وإلى إهمال اتخاذ الأسباب - ومن بينها أسباب القوة التي أمر الله بإعدادها لإرهاب عدو الله - وإلى انتشار الفقر والمرض والعجز، والقعود في الوقت ذاته عن محاولة التغيير.

والتصور المختل لطبيعة العلاقة بين الدنيا والآخرة، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، كان انحرافا عن حقيقة الدين، وعن منهج السلف الصالح الذين فهموا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله

(1) سورة آل عمران: 165 - 166

(2) سورة آل عمران: 172 - 174

(3) سورة آل عمران: 159

(4) سورة الأنفال: 59 - 60

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت