فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 879

عليه وسلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني جزء من العبادة المطلوبة من الإنسان، وأن العمل للآخرة لايتنافى مع السعي في الأرض:

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [1] .

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [2] .

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم القوم الذين زعموا أنهم يعملون للآخرة بأن يصوموا الدهر ولا يفطروا أو يقوموا الليل ولا يناموا، أو يعتزلوا النساء فلا يتزوجوا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:"ألا إني أعبدكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" [3] .

وقد أدى هذا الانحراف في تصور مقتضيات لا إله إلا الله إلى إهمال العلم بالطب والفلك والكيمياء والفيزياء والرياضيات والجغرافيا وغيرها من العلوم لأنها متعلقة بالأرض، وبالحياة الدنيا، فتخلف المسلمون في جميع الميادين.

من هنا يظهر جليا أن التخلف العلمي و"التكنولوجي"والمادي .. إلخ، الذي كان سببا في الهزيمة العسكرية أمام الغرب قد نشأ أساسا من التخلف العقدي الذي تزايد في حياة المسلمين جيلا بعد جيل، وتراكم حتى غشّى على العقيدة الصحيحة فلم تعد تتبين من بين الركام، ولم تعد تعطى شحنتها الحية في حياة المسلمين.

ولكن القضية لا تنتهي مع المؤرخ المسلم عند هذا الحد.

فهناك قضية أخرى لا تقل عنها أهمية، ولا تقل عنها خفاء كذلك في حس الذين يحصرون رؤيتهم في الأسباب الظاهرة ولا يتعمقون وراءها إلى السبب الحقيقي.

وقعت الهزيمة العسكرية فتلتها في نفوس المسلمين هزيمة روحية، هي الاولى بالنسبة لهم في التاريخ.

وقد قلنا في أكثر من كتاب [4] إن الهزيمة العسكرية وحدها لم تكن لتحدث في نفوس المسلمين ذلك الأثر الهائل الذي أحدثته في المرة الأخيرة حين انهزمت جيوش المسلمين أمام الغرب.

حقيقة إن المسلمين فوجئوا مفاجأة حادة - بعد الهزيمة - بالفارق الهائل بينهم وبين الغرب الذي هزمهم، في العلم وفي"التكنولوجيا"وفي التقدم المادي والحضاري .. وأن هذا كان له أثره في الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين.

ولكن الهزيمة العسكرية وحدها، وإدراك المسلمين للفارق الهائل بينهم وبين أعدائهم في الأسباب المادية، لم يكونا ليحدثا هذا التحول الهائل الذي حدث في حياة المسلمين، لولا الخواء الروحي والعقدي الذي كان في حياتهم قبل وقوع الصدام.

وقعت الهزيمة العسكرية من قبل فلم تغير شيئا في تصورات المسسلمين وأفكارهم وسلوكهم وعقائدهم ..

وقعت أول هزيمة يوم أحد فأنزل الله قوله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [5] . وكانوا مؤمنين بالفعل، فوعوا الدرس، وأفافوا من هزيمتهم، وعلموا أنهم الأعلون بإيمانهم

(1) سورة الملك: 15

(2) سورة القصص: 77

(3) أخرجه الشيخان.

(4) انظر على سبيل المثال كتاب"واقعنا المعاصر".

(5) سورة آل عمران: 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت