مهما حدث لهم من هزيمة مؤقتة أمام عدوهم. فلم يهنوا بعد ذلك في مواجهتين عظيمتين خطيرتين وقعتا بينهم وبين التتار مرة، وبينهم وبين الصليبيين مرة. وقد كانت الهزيمة أمام التتار ساحقة ..
اكتسح التتار بغداد، وأزالوا الخلافة العباسية، وأذلوا المسلمين إلى حد لا يتصور. فكان التتري يخرج من بيته وليس معه سلاحه، فيلقى المسلم في الطريق، فيقول له: ابق هنا حتى أحضر السيف لأقتلك، فيقف المسلم صاغرا مستسلما حتى يعود التتري بسيفه فيقتله .. وليس بعد ذلك إذلال!
ولكن أرواحهم لم تذل!
لم ينظروا إلى التتار نظرة إكبار! لم يعتقدوا أن التتار خير منهم بسبب أنهم هم الغالبون! إنما كانوا في حسهم برابرة همجا متوحشين، وقبل ذلك كله وثنيين لايعرفون الله، ولايدينون دين الحق.
وانهزم المسلمون أمام الصليبيين في مبدأ الأمر، وأقام الصليبيين دويلات لهم في بعض بقاع العالم الإسلامي استمرت ردحًا من الزمن يتسلطون فيها على المسلمين ويهينونهم ويذلونهم ..
ولكن أرواحهم لم تذل!
لم ينظروا للصليبيين نظرة إكبار! لم يعتقدوا أن الصليبيين خير منهم بسبب أنهم هم الغالبون! إنما كانوا في حسهم هم المشركين عبّاد الصليب، وفوق ذلك كانوا يقولون عنهم إنهم دياييث لا أعراض لهم، بسبب التحلل الأخلاقي الفاشي في حياتهم، وضعف الحمية فيهم لأعراضهم .. ومن أجل ذلك كانوا يحتقرونهم.
ثم جاء النصر من عند الله حين توجه المسلمون بالعقيدة الصحيحة إلى الله، واتخذوا الأسباب، فكانت صيحة"وا إسلاماه"على لسان قطز، وهجمته الصادقة على التتار في عين جالوت تغييرا في صفحة التاريخ، فلم ينتصر المسلمون فحسب، بل بدأ التتار يدخلون في الإسلام بعد هزيمتهم أمام المسلمين. كما كان توجه صلاح الدين إلى إصلاح عقيدة الناس، واتخاذ الأسباب، إيذانا بالنصر الحاسم الذي أعاد بيت المقدس، وصد الصليبيين عن الشرق الإسلامي عدة قرون. ثم تعدى الأمر آثاره المحلية، إذ بدأت أوربا نهضتها مستمدة من الحضارة الإسلامية بعد هزيمتها أمام المسلمين! [1]
فإذا نظرنا من ناحية أخرى إلى قضية الفارق"الحضاري"بين المسلمين وأعدائهم، فقد كان الفارق هائلا جدا لصالح الأعداء حين التقى المسلمون مع الفرس ومع الرومان، وهم صفر اليدين من أسباب الحضارة المادية أو يكادون ..
ولكن ذلك الفارق الهائل لم يستوقفهم لحظة واحدة ليفكروا فيه، ولا كان له في حسّهم وزن .. أي وزن!
وانظر إلى ربعي بن عامر وهو يدخل بكل عزة الإيمان على رستم في أبهته وطنافسه وبذخه، فينظر إلى ذلك كله باحتقار بالغ، ويتعمد إعلان ازدرائه له وتحقيره، فيخزّق بسن رمحه سجاجيدهم، ويربط حماره القصير الأرجل في بعض ما يعتزون به من فراشهم، ثم يقول لرستم حين سأله: ما الذي أتى بكم إلى بلادنا؟:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة .."
أي عزة بالإيمان إزاء الاعتزاز الكاذب بكل"الحضارة المادية"وكل متاع الأرض!
(1) هذه النقطة لم تأخذ حظها من الدراسة العلمية الواجبة لها، وهي تأثير هزيمة الصليبيين أمام المسلمين في نهضة أوربا، وقيام هذه النهضة على أسس مستمدة من الإسلام. والسبب أن الأوربيين نادرا ما يعترفون بذلك، وأن المسلمين في هزيمتهم الحالية لا يصدقون أن الإسلام كان له ذلك الأثر في حياة أوربا! وهي قضية جديرة بدراسة علمية موسعة.