حجم التيه
كان حجم التيه هائلا جدا .. أكبر بكثير مما يتصور أكثر الناس ..
ويكاد لايوجد جانب واحد من حياة الأمة لم يتأثر بالتيه .. كأنما انقلبت في نصف قرن أو يزيد، أمة أخرى غير التي كانت من قبل! انقلبت في كل شيء .. في تصوراتها وأفكارها ومشاعرها وأنماط سلوكها .. في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والفكر والأدب و"الفن".. في كل شيء!
وكانت الأمة - ولا شك - تشعر بالانقلاب .. فقد كانت المفارقة حادة بين ما كانت عليه وما صارت إليه في تلك الفترة القصيرة من الزمن .. ولكن الكارثة أنها - وهي في التيه - كانت تظن أنها تنقلب إلى الأفضل! وتنظر إلى نفسها وهي تنسلخ من دينها وتقاليدها وموروثاتها وتصوراتها، على أنها قد بدأت - الآن - تخطو أولى خطواتها على الطريق المستقيم!
وهنا نقطة يجب أن يتبينها المؤرخ المسلم ويبينها للناس: أن الأمة قبل هذا الانقلاب لم تكن تسير على الطريق المستقيم! لقد كانت قد حادت كثيرا عن الطريق وهي تظن أنها ما تزال سائرة فيه! ولكن الذي يجب أن ندركه جيدا أن التوجه الجديد لم يكن إلى الطريق المستقيم حقا، إنما كان انحرافا جديدا عن الجادة، ولكنه كان أخطر بكثير من الأول. فقد كان الأول - على كل ما فيه من انحراف - تزييفا لواقع أصيل، فمن السهل - حين تكشف الزيف - أن تعود إلى الأصل الذي خدعك الزيف عنه. اما الآخر فقد كان في اتجاه مضاد، وكان أخطر ما فيه أنه يوسوس لك على الدوام أن لا ترجع أبدا إلى الطريق الأصيل .. بزعم أنه منبع الداء .. وأن البعد عنه هو وحده الدواء!!
لم يكن الذي غادره المسلمون ليدخلوا في التيه هو حقيقة الإسلام ..
فالتواكل والسلبية والجهل والخرافة والخمول والضعف والقعود عن اتخاذ الأسباب .. ليس من الإسلام.
وتحقير المرأة وحبسها في ظلمات الجهل والخرافة وتحجيم دورها في الحياة وحصره في الحمل والولادة والإرضاع .. ليس من الإسلام.
واستبداد الحكام بالسلطة، وزجر الرعية عن التدخل في الشئون العامة، فضلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ليس من الإسلام.
وقعود الفقهاء عن النظر فيما جدّ في حياة الناس من أمور، فضلا عن تحريم الإجتهاد واعتباره بدعة ضارة خطرة مخيفة .. ليس من الإسلام.
وعشرات غيرها من الأمور التي كانت سائدة في المجتمع .. كلها دخيلة، وكلها انحراف عن مقتضيات لا إله إلا الله ..
ولكن العلاج لم يكن نبذ هذا الدين .. إنما كان هو الرجوع إليه، ونبذ ما وقع في حياة الناس من انحراف.
كان الأمر في حاجة إلى العالم الرباني المجدد، الذي يجدد لهذه الأمة أمر دينها، فيكشف الغاشية التي غشّت على بصيرتها، ويردها إلى الطريق الصحيح ..
وشتان بين ما حدث بالفعل وبين ما كانت الأمة في حاجة إليه في ذلك الحين ..
ولقد كان العدو المتربص يستشعر أن اليقظة يمكن أن تحدث .. فقد كانت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية نذيرا شديدا لهم أن الأمة يمكن أن تصحو وتنفض عنها ما وقعت فيه من البعد عن حقيقة الدين .. وعندئذ ماذا يكون من أمر الحملة الصليبيّة؟ وكيف يواجه الصليبيون الجدد أمة مجدّدة الإيمان كأمة صلاح الدين؟!.
لذلك فقد حاولوا كبت الحركة الوهابية في مهدها، وأغروا بها محمد علي وأبناءه ليحاول القضاء عليها .. وأسرعوا في الوقت ذاته في دفع الأمة إلى التيه .. لكي تزداد بعدا عن طريق النجاة ..