فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 879

وكان الخطأ في حياة المسلمين هو انحرافهم في ممارسة هذا الدين، إما بالبدع والمعاصي، وإما بالتفلت من التكاليف، وإما بأفكار دخيلة كالفكر الإرجائي أو الفكر الصوفي المنحرف.

لذلك يختلف العلاج في الحالتين. فالعلاج في حالة أوربا هو نبذ ذلك الدين الفاسد، والاستعاضة عنه بالدين الصحيح. والعلاج في حالة المسلمين هو نبذ الانحرافات التي طرأت في سلوكهم، والعودة إلى التمسك الصحيح بالدين.

وما أبعد هذا العلاج عن ذاك!

فأما أوربا فقد أخذت نصف العلاج اللازم لها وأبت أن تأخذ النصف الآخر، فخرجت من دينها الفاسد ولم تدخل في الدين الحق، فنشأت عن ذلك الأزمة التي يعانيها الغرب اليوم، وتعانيها معه البشرية المغلوبة على أمرها تحت ضغط الغرب الساحق: وهي غلبة الروح المادية وانسحاق الجانب الروحي من الإنسان تحت ضغط المادة أو - بعبارة اخرى - التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي بغير قيم ولا مبادئ ولا أخلاق!

أما الأمة الإسلامية - في التيه - فلم تأخذ نصف العلاج ولا ربعه ولا ثمنه .. إنما تناولت السموم التي قدمها لها الغرب، فتلقفتها فرحة بها، متوهمة أنها طريق الخلاص!

فبدلا من أن تعود إلى حقيقة الدين التي كانت قد انحرفت عنها، نبذت دينها - أو كادت - وفي الوقت ذاته لم تتخذ الأسباب التي اتخذها الغرب في تقدمه العلمي والمادي. فلم تأخذ من العلم إلا قشوره، وتقاعست عن الجدّ الواجب له، والجلد والمثابرة والصبر في تحصيله، والتنظيم الفائق في شئون الحياة، الذي يجعل الجهد مثمرا، ويجمّع حصيلة الجهد فلا تتبدد ولا تتناثر!

وأخذت بدلا من ذلك ما في حياة الغرب من فساد! فتراكم الفساد عندها أضعافا مضاعفة! فلا هي عالجت أمراضها التي ورثتها من فترة التخلف العقدي، الذي أنشأ من قبل التخلف الحربي والسياسي والعلمي والمادي .. إلخ، وأضافت أمراضا جديدة دخيلة على البيئة الإسلامية، من تحلل خلقي، وخمر وميسر ولهو وتبجح بالمعاصي الكبائر ..

كذلك لم تدرك الأمة - وهي في التيه - مدى الفارق بين العلاج الذي كان يجب أن تتخذه إزاء مظالم الحكم العثماني، والعلاج البديل الذي قدمه لها الغرب ..

لقد كان الخطأ في الحكم العثماني هو الاستبداد السياسي .. وكان العلاج الذي يجب أن يقدّم للأمة هو التربية على الروح الإسلامية الصحيحة في السياسة، وهي السمع والطاعة للحاكم فيما يطيع فيه الحاكمُ الله ورسوله، ومراقبة الأمة لأعمال الحاكم حتى ينضبط في تصرفاته بضوابط الشريعة. كما يتبين في ذلك المثال الفذ، حين وقف عمر رضي الله عنه يخطب الناس فيقول: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فيقول له سلمان الفارسي رضي الله عنه: لاسمع لك اليوم علينا ولاطاعة! فيقول عمر: ولمه؟ فيقول: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به، وأنت رجل طوال لايكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين! فلما تبين لسلمان أن البرد الزائد هو برد عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أعطاه لأبيه ليكمل به كسوته، قال لعمر: الآن مر! نسمع ونطع!

وصحيح أن الأمة قد فرطت في حقها الرباني في مراقبة أعمال الحاكم، والنصح له، وأطره على الحق أطرا كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا" [1]

وأن هذا التفريط قديم في حياة الأمة من زمن بني أمية، وأن الاستبداد العثماني لم يكن بدء الانحراف، وإنما كان مجرد امتداد تاريخي له .. ولكن الواجب يظل واجبا مهما فرطت فيه الأمة، ولايسقط بالتقادم مهما طال عليه العهد .. والإصلاح الواجب يظل هو هو لا يتغير .. ينتظر العالم

(1) رواه أبو داود والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت