الرباني المجدد المجاهد، الذي يأخذ على عاتقه إعادة الأمة إلى الأصل الذي انحرفت عنه، ولو ضحى في سبيل ذلك بحياته كما فعل أكثر من عالم من علماء الإسلام خلال التاريخ.
ولكن العلاج الذي اتخذته الأمة - في التيه - كان مخالفا تماما لهذا الأمر ..
كان العلاج الذي اتخذته هو تنحية الشريعة الإسلامية، واستجلاب"الدساتير"من الغرب، من أجل إقامة"دولة حديثة"كالدول الأوربية الحديثة!
ما أبعد المدى بين الطريقين!
لم تدرك الأمة - في التيه - أبعاد القضية على حقيقتها ..
لم يكن الخطأ في حياة الأمة الإسلامية ناشئا من الشريعة، حتى يكون العلاج هو إلغاء الشريعة! إنما كان ناشئا من عدم تمسك الأمة بالحقوق التي كفلتها لها الشريعة الربانية .. وعلاج ذلك لا يكون باستيراد أحد النظم الأوربية ومحاولة تطبيقه. فسوف نرى أن استيراد النظم الأوربية لم يحل مشكلة واحدة من مشاكل المسلمين!
لقد كانت مشكلة أوربا في قرونها الوسطى المظلمة نائشة من الحكم"الثيوقراطي"، أي حكم رجال الدين، الذين استبدوا بالناس نتيجة تسلطهم الروحي على الناس في ذلك الدين الفاسد، الذي انقلب كهّانه إلى وسطاء بين العبد والرب، بسبب تحريف العقيدة، وإضفاء القداسة على من لا تجوز لهم القداسة من البشر، وتنحية الشريعة كذلك، وتقديم الدين عقيدة - محرَّفة - بغير شريعة!
هذا السوء كله لم يكن له علاج في نظر أوربا إلا فصل الدين عن السياسة، أي - في الحقيقة - إبعاد نفوذ رجال الدين عن أمور السياسة، وجعل السياسة"علمانية"لا دخل فيها للدين .. وربما لم يكن أمام أوربا إلا ذلك الحل، ما دامت لم تعرف الدين الرباني، ولم تمارس في حياتها عدالة مستمدة من دين الله.
ولكن أوربا - حين خلعت نير رجال الدين عن السياسة - ابتليت باستبداد الملوك والأباطرة الذين نادوا بفصل الدين عن السياسة ليستقلوا هم بالسلطة الزمنية، ويشبعوا نهمهم إلى السلطة بغير منافسة من آباء الكنيسة. وهذا الاستبداد هو الذي قامت الثورات المتتالية في أوربا لاجتثاث جذوره - بدءًا بالثورة الفرنسية - وكانت الديمقراطية هي الحل الذي اهتدت إليه أوربا لتأسيس سلطة الأمة في مراقبة أعمل الحاكم، وجعل التشريع حقا للأمة لا ينفرد به الحكام.
ونصرف النظر مؤقتا عما لايمكن صرف النظر عنه، من دخول اليهود في اللعبة، وتوجيههم"مكاسب الديمقراطية"لحسابهم الخاص، أي لحساب الرأسمالية التي كانوا هم كهنتها ودهاقنتها منذ بدء الثورة الصناعية، ولحساب الفساد الخلقي الذي كانوا تواقين إلى نشره في المجتمع الأوربي، ليركبوا ظهور"الأمميين"ويسخروهم لخدمتهم [1] ، وذلك من خلال مبدئهم الخطير الذي جعلوه شعارا للثورة Faire، Laissez Passer Laissez: دعه يعمل (ما يشاء) ، دعه يمر (من حيث يشاء) أي حرية الرأسمالي في أن يربح كما يشاء، وحرية الجماهير في الإلحاد والفساد الخلقي باسم الحرية الشخصية.
بصرف النظر - مؤقتا - عن هذا كله، فقد كان فصل الدين عن السياسة هو"الحل الأوربي"لأزمة أوربية بحتة، نشأت ابتداء من كون أوربا لا تملك دينا سماويا ترجع إليه، إنما تملك عقيدة - محرفة - بغير شريعة.
(1) يقول اليهود في تلمودهم"الأمميون هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار، وكلما نفق منهم حمار ركبنا حمارا آخر"فتلك نظرتهم إلى"الأمميين"أي كل الأمم غير اليهود، والديمقراطية الرأسمالية هي إحدى وسائلهم التي يستخدمونها لتسخير الأمميين لمصالحهم. اقرأ إن شئت فصل"الديمقراطية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".