أما المسلمون فقد كانت مشكلتهم بعيدة كل البعد عن هذا المجرى، وإن وجد التشابه الظاهري في استبداد الحكام بسلطانهم السياسي .. فإعطاؤهم ذات الجرعة التي استخدمتها أوربا لم يحل مشكلتهم، بل أضاف إليهم مشاكل جديدة! كالطبيب الجاهل يأخذ عرضا واحدا من أعراض المرض - تشترك فيه أمراض كثيرة - فيعطي - مثلا جرعة من دواء الحمى السحائية لمريض بالتيفود، لمجرد وجود الحرارة العالية في بدنه! فلا العلاج يشفيه من مرضه، وقد يضعف مقاومته فتزداد حالته سوءا على سوء!
مشكلة المسلمين - كما أسلفنا - كانت تفريطهم في الحقوق السياسية التي كفلتها لهم الشريعة الربانية [1] ، التي أقامت خير نظم الأرض السياسية حين طبقت تطبيقا صحيحا، في فترة الخلافة الراشدة.
والعلاج - الذي يجب أن يقدمه العالم الرباني المجدد المجاهد - هو رد الأمة - عن طريق التربية والتوجيه - إلى الروح التي عاش بها المسلمون الأوائل، ومارسوا بها الدين بتمامه في عالم الواقع.
أما استيراد الديمقراطية أو غيرها من النظم من الغرب [2] ، مع تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم، فما الذي أفضى إليه في واقع الأمة؟
لقد أفضى إلى مجموعة من الشرور ماتزال الأمة تعاني نتائجها، وستظل كذلك حتى تفيء إلى أمر الله، فتصلح أخطاءها بالعلاج الرباني الذي أنزله الله هدى للناس وشفاء لما في الصدور.
فأما تنحية الشريعة فسنتكلم بعد هنيهة عن المفاسد التي نجمت عنها في مجتمع التيه.
وأما الديقراطية فقد أفضت في التطبيق الواقعي إلى مهازل مضحكة، وإلى مآسٍ كثيرة في حياة الناس.
حين ثار المصريون ثورتهم"الوطنية" [3] في عام 1919 كان"تشرشل"الداهية البريطاني الكبير وزيرا في حكومة المحافظين يومئذ، فسمع أخبار الثورة فسأل: ماذا يريد المصريون؟ فقيل له يريدون أن يكون لهم برلمان ودستور. فقال ساخرا: ..."Give them a toy to play with: أعطوهم لعبة يتلهون بها"!!
أما المهازل فتنشأ من تدخل السلطة بالقوة لإنجاح"مرشح الحكومة"، وتزييف الانتخابات، واستغلال أمية الناخبين، وشراء الأصوات بالمال، وإلغاء الصناديق الحقيقية بالكلية والإتيان بصناديق بديلة معدة من قبل بالنسبة المطلوبة (99.9%) ! واعتقال المعارضين لمنعهم من دخول الانتخابات، وتقسيم الدوائر تقسيما تحكميا يخدم مصالح بعض المرشحين على حساب الآخرين ..
أما المآسي فليس أقلها تفريق الأسر وإيجاد العداوات ضد بعضها البعض، بل إيجاد العداوات داخل الأسرة الواحدة أحيانا، نتيجة الانتماء إلى الأحزاب المتفرقة، ونشر الكذب السياسي، وخداع"الجماهير"بالوعود المعسولة، ونشر"المحسوبية"، وملء كل حزب يصل إلى الحكم وظائف الدولة
(1) مما يلفت النظر أن ما تسميه الديمقراطية"حقوقا"للشعب، في الرقابة على أعمال الحاكم، تسميه الشريعة"واجبا"مفروضا على الأمة.
(2) تم استيراد الديمقراطية أولا ثم الاشتراكية والآن عود للديمقراطية بشرط ألا يليها المسلمون!.
(3) كانت الثورة في منشئها إسلامية، فجاء سعد زغلول فحولها إلى وطنية علمانية تحت شعار"الدين لله والوطن للجميع"! انظر إن شئت قصة سعد زغلول في كتاب"واقعنا المعاصر"ص 311 - 324.