فهرس الكتاب
في ماله، أو ما يفرضونه عليه من الضرائب الباهظة مع فقره .. ولكنه يذهب إلى عمله وهو آمن، يسمرون، أو يتبادلون الحديث عن أوجاعهم ومتاعبهم، أو يشتمون الوالي - في غيبته - وربما تعدوا الوالي فيشتمون السلطان ذاته .. وهم آمنون!
أما الحكم العسكري فقد كان شيئا يفوق في بشاعته كل حد ..
لا أمن ..
فجواسيس الحاكم يعدّون على الناس أنفاسهم. والويل لمن تكلم بكلمة ينتقد فيها عملا واحدا من أعمال الفرعون الجبار .. السجن والتعذيب والتشريد .. وقد يلقى حتفه في معتقله في ليل أو نهار في أثناء التعذيب، فلا يجرؤ أهله - لا نقول أن يشتكوا - بل حتى أن يسألوا عنه: أحيّ هو أم ميت .. ومن سأل فجزاؤه على سؤاله أن يؤخذ إلى حيث يعود أو لا يعود!
وألوان من التعذيب تعفّ عنها الوحوش ..
فالوحش يفترس ليأكل، فإذا شبع انصرف وكف عن الافتراس. ولكنه لايفترس من أجل تعذيب فريسته، والتلذذ برؤية العذاب ينصب عليها، كما يصنع الإنسان حين يفقد آدميته، وينتكس أسفل سافلين.
وقد مارس العسكر هذه الوحشية كلها وهم"يحررون"الشعب من الخوف! ويحررونه من الذل! ويحررونه من الاستعباد! وكان أحد هؤلاء الطغاة ينادي وهو يمارس أبشع ألوان الإذلال لشعبه: ارفع رأسك يا أخي! فقد مضى عهد الاستبداد!!
ذَلَّ الناس .. وانكسرت أنفسهم .. وشملهم الرعب القاتل من"زائر الليل"الذي ينتزع الناس في جوف الليل من ديارهم وأزواجهم وأطفالهم، ليلقيهم في ظلمات لا يعلم أحد مداها، بل أخذت النساء كذلك لأول مرة في تاريخ الأمة ليعذبن داخل السجون.
ومع الفزع عم الفقر الشعب كله، إلا المحظوظين الذين اكتنزت جيوبهم بالمال الحرام المسلوب من الأمة تحت سطوة القهر .. وطُحِنتْ مع كرامة الأمة أخلاقياتها ومثلها وقيمها، وأصبح الهم الأكبر للناس البحث عن لقمة الخبز، لهثًا وراءها حتى يجدوها - إن وجدوها - منقوعة في الذل والخوف والهوان.
ولحساب من يحدث هذا كله؟!
لحساب من يسحق الشعب، وتلقى كرامته في الأرض وتداس بأقدام الطغاة؟!
لحساب الصليبية العالمية والصهيونية العالمية، حتى تأمن إسرائيل وتستقر وتتوسع، والشعوب الإسلامية حولها مسحوقة لا تملك الاعتراض، فضلا عن الرفض .. فضلا عن الجهاد المقدس ضد الغاصبين.
وهذا الذي ظفرت به الشعوب التي ثارت على مظالم العثمانيين!!
مرة أخرى نقول: لم تكن مظالم العثمانيين مقبولة، ولا كان السكوت عليها مقبولا في شرع الله. ولكن العلاج الذي تناولته الأمة - في التيه - كان أفظع بكثير، وأمرّ بكثير .. كان هو الذل والهوان والضياع.
و من عجب أنه كان في التيه - دائما - طبالون وزمارون، يطبلون ويزمرون لكل مرحلة من مراحل التيه. فإذا جاء غيرها لعنوا الأولى التي كانوا يطبلون لها ويزمرون، وبدءوا طبلهم وزمرهم للمرحلة الجديدة بنفس الحماسة ونفس"الولاء"!
حين جاءت الديمقراطية وتشكلت الأحزاب وخاضت"المعارك"ضد بعضها البعض، هلل الدعاة وكبروا، وقالوا: الآن تحررت الأمة وارتقت، وأصبحت تعبر عن إرادتها من خلال الأحزاب .. وحين جاءت الدكتاتورية الاشتراكية قام الدعاة يلعنون"العهود البائدة"التي أفسدت الأمة بالصراعات