فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 879

الحزبية، وشتتت كلمتها، وأفقدتها وحدتها .. ويلعنون في الوقت ذاته أنه قد آن الأوان للأمة أن تتوحد، وتتحرر من الفساد، وتستعيد شخصيتها المفقودة، وتسير في طريق الفلاح .. !

ويدور الطبالون والزمارون .. كتابا وصحفيين، وخطباء وفنانين، وقصاصين ومسرحيين .. والأمة تدور وراءهم في ظلمات التيه!

ولم يكن ذلك هو التيه الوحيد في المجال السياسي ..

فقد نُشِرَتْ - وانتشرت - دعاوى القومية والوطنية في مقابل الوحدة الإسلامية ..

لم تكن الوحدة الإسلامية في تاريخ هذه الأمة دعوة ولا دعوى .. إنما كانت واقعا معيشا، لاتفكر الأمة في غيره، بحكم أنها تدين بالإسلام.

وقد تفككت"الدولة الإسلامية"أكثر من مرة، في المشرق والمغرب، لأسباب كثيرة، ولكن شعور الأمة بأنها أمة واحدة من المغرب إلى المشرق لم يتأثر بتفكك الدولة، بل لم يتأثر بالحروب التي قامت بين بعض الدويلات الإسلامية وبعض."فالدول"بسلاطينها وأمرائها شيء، و"الأمة"بوحدة عقيدتها، ووحدة شعائرها، ووحدة أفكارها، ووحدة قيمها وتصوراتها شيء آخر، لا دخل فيه لصراعات السلاطين والامراء ..

حتى دخلت"الأمة"في التيه ..

عندئذ تفككت وحدتها لأول مرة في التاريخ .. ذلك أن الرابط الجامع لم يعد هو الذي تجتمع عليه الأمة .. وإنما حلت محله الأفكار الدخيلة المستوردة من الغرب، وهذه من شأنها أن تفرّق لا أن تجمّع .. من شأنها أن تحوّل الأمة إلى فتات ..

ولكن الأمة - في التيه - لم تكن تعي ذلك ..

كانت تظن - وهي تتزيا بزي الوطنية والقومية - أنها ترتدي آخر"موضة"في عالم الفكر السياسي، وأنها تخلع رداءها القديم البالي الذي مرت عليه القرون الطوال!

وحقيقة لقد كان الثوب قد أخذ يبلى .. لا لأنه قديم! فهو ثوب من طبيعة خاصة، تتجدد خيوطه - تلقائيا - مع كل جيل جديد .. إنما كان قد أخذ يبلى لأن"الروح"التي تجدد الخيوط كانت قد خمدت في داخل القلوب.

ولم يكن الحل أن تخلع الأمة رداءها .. إنما كان الحل أن تجدده .. فبمجرد أن تحيا العقيدة في القلوب تتجدد خيوط الرداء من تلقاء نفسها، كما تتجدد أوراق الشجرة بمجرد أن تتحرك العصارة الحية في أليافها:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا .. ) [1] .

ولكن الأمة نظرت إلى ثوبها الذي أخذ يهترئ فلم تقدره حق قدره .. لم تقدر قيمته، ولم تقدر قدرته العجيبة على التجدد، التي أودعها الله في الكلمة الطيبة، كلمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

خلعته زاهدة فيه .. وهفت في سذاجة - أو في بلاهة - إلى الأثواب المزركشة المستوردة من الغرب، ولم تختبرها بعين بصيرة لكي تكتشف رداءة النسيج ..

لقد كانت القومية والوطنية ردود فعل أوربية لأزمة أوربية بحتة .. ولم تكن نتاجا"إنسانيا"كما زعم موردوها إلى العالم الإسلامي.

لقد كان طغيان الكنيسة الأوربية بدينها المحرف أساس البلاء كله الذي وقع في الغرب.

(1) سورة إبراهيم: 24 - 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت